مدونة لتزكية القلوب ،ودحر الشبهات عن التصوف الحق،الذي هو تحقيق مقام الإحسان ثالث أصول الإسلام.

الأحد، 31 ديسمبر 2017

الأدلة على استحباب الاجتماع لذكر الله تعالى

الذكر الجماعي
من رسالة اتخاذ الوسائل الى المقاصد الحسنة سنة حسنة 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه  أما بعد:
 لقد جاءت النصوص الشرعية الكثيرة بالحث على ذكر الله تعالى لما فيه من خير عظيم وفضل كبير ،وهذه النصوص جاءت تارة تحث على الذكر منفرداً ، *وتارة على الاجتماع  للذكر* ، *فليس اجتماع المسلمين على ذكر الله تعالى بأمر مستنكر لمن عرف أن من مقاصد الشريعة تعاون المسلمين واجتماعهم على طاعة الله تعالى لما فيه من عظيم البركات*. 

💫ولذا قال الله تعالى "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" ، *فإذا اجتمع المسلمون لعمل ذلك فإنما هو من باب  التعاون على الخير والبر* . 

🔺 *بعض الأدلة على مشروعية الاجتماع للذكر*:

قال الله تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة: ].فهذا الأمر موجه لجميع الأمة، وهو وارد بلفظ الجمع  فيكون للجماعة كما يكون للأفراد .
💥 وقال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسَبِّحُوه بكرةً وأصيلاً} 
وهو خطاب عام لجميع المؤمنين ،فلم يقل :لا تذكروا الله جماعة ،ولا قال تعالى اذكروا الله فرادى فقط ،فمن زعم أنه لا يجوز أن يجتمع المسلمون لذكر الله جماعة فقد أخطأ .
 💫ولا يوجد أي نص يقيّد أو يخصّص هذه النصوص العامة بالذكر الفردي دون الاجتماع جماعة للذكر، *بل قد وردت النصوص الكثيرة من السنة المطهرة التي تدل على الأمر بالاجتماع للذكر لما فيه من بركة اجتماع المسلمين على طاعة الله تعالى* .  

*فمن الأحاديث*:

  1_عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :"يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني ؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، *وإن ذكرني في ملأ* ذكرته في ملأ خير منهم"رواه البخاري ففي الحديث التصريح بالذكر في ملأ ،أي في جماعة .

٢_ وتأمل يا أخي المسلم في هذا الحديث الصحيح الصريح في استحباب الذكر الجماعي حيث أخرج الأئمة البخاري و مسلم، والحاكم  – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر *فإذا وجدوا قوماًيذكرون الله* 
تنادوا هلمّوا الى حاجتكم .
قال:فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ،قال:فيسألهم ربهم _وهو أعلم _ما يقول عبادي؟قالوا: يقولون *يسبّحونك ويكبّرونك ويحمدونك ويمجّدونك* ......." واللفظ للبخاري

💡💡فتأمل في هذا الحال ترى أن الملائكة_عليهم السلام_يبحثون عن مجالس فيها قوم اجتمعوا يذكرون الله تعالى بأنواع من الذكر فهذا الفعل المحمود عند الله تعالى أصبح مذموماً عند بعض الناس هداهم الله تعالى. 

وكان يكفي دليل واحد في استحباب الاجتماع للذكر ،فكيف بهذه الآيات والأحاديث .

٣_وتأمل فيما أخرج الإمام مسلم، والامام الترمذي، عن أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنهما- قالا : قال رسول الله _صلى الله عليه وآله وسلم _:" *ما من قَوْم يذكرون الله* إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده" . 
☉ففي الحديث قال:"ما من قوم"  ولن يكون قوما إلا مجتمعين .وقد سبق بيان أفعالهم في المجالس وهي ذكر الله تعالى . 

*وهذا الذكر الجماعي فعله المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم فتأمل في هذا الحديث الشريف* :
٤_ عن أبي سعيد الخدري ، قال : خرج معاوية على *حلقة في المسجد* ، فقال : ما أجلسكم ؟ ، قالوا :جلسنا *نذكر الله*.
 قال : آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ ، قالوا : والله ما أجلسنا إلا ذاك ، قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثاً مني ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج *على حلقة من أصحابه* ، فقال : " ما أجلسكم "؟  قالوا : جلسنا نذكر الله ،ونحمده على ما هدانا للإسلام ، ومنَّ به علينا ، قال : " آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ " ، قالوا : والله ما أجلسنا إلا ذاك ؟ قال : " أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة " .رواه مسلم   والترمذي وأحمد وغيرهم.

💡*فمن تأمل وجدهم جماعة اجتمعوا في المسجد يذكرون الله تعالى* .

٥ _ وهذا حديث آخر في مسند الإمام أحمد، ونصه:"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" قالوا: وما رياض الجنة؟ قال:" *حلق الذكر*". ورواه أيضاً الترمذي وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان، وحسّنه الامام السيوطي رحمه الله تعالى وغيره. 

💡قال الامام النووي رحمه الله تعالى : *واعلم أنه كما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله* ...

المطلب الثاني:في المحافظة على مجالس الذكر:

المحافظة على هذه المجالس لا بد فيها من الصبر كسائر الطاعات،وأذّكر نفسي وإخواني المسلمين بما أمرنا الله تعالى به في محكم التنزيل حيث قال تعالى " *واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه*"
قال الإمام ابن كثير الشافعي_رحمه الله تعالى_في تفسيره: *اجلس مع الذين يذكرون الله ويهلّلونه ، ويحمدونه ويسبّحونه ويكبّرونه ، ويسألونه بكرة وعشياً من عباد الله،سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أوضعفاء*.انتهى 

وقال الإمام الطبراني رحمه الله تعالى: بسنده  عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال:نزلت على رسول الله _صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو في بعض أبياته:"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"فخرج يلتمسهم ، فوجد قوماً يذكرون الله تعالى ، منهم ثائر الرأس ، وجافي الجلد وذو الثوب الواحد ، فلما رآهم جلس معهم وقال :"الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم"انتهى كما في تفسير ابن كثير أيضاً. 

وذكر نفس الرواية الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره . *فتأمل أخي الحبيب في قوله:"وجد قوماًيذكرون الله تعالى"* . *فهذا هو ديدن المسلمين منذ عصر سيدنا رسول الله_صلى الله عليه وآله وسلم _ إلى يومنا هذا* .
وتأمل كيف نقله شيخ المفسرين الامام ابن جرير الطبري،ونقله ابن كثير ونقله الامام القرطبي وغيرهم رحمهم الله تعالى من غير نكير، وراجع هذه الآية الكريمة في تفسير المفسرين كتفسير الإمام ابن كثير أو شيخ المفسرين الامام ابن جرير الطبري أوالامام القرطبي رحمهم الله تعالى.

💡💡ثم علينا أن نحذر كل الحذر مما نهانا الله تعالى عنه في نفس الآية حيث قال تعالى:" *ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا*".
فالغافل عن ذكر الله تعالى يستحوذ عليه الشيطان وينسيه ذكر الله تعالى ،ولا يزال يتدرج به في الغفلة حتى يرى هذه الغفلة قربة وطاعة ،ثم قد يصير به الحال إلى أن يدعو الناس إلى ترك مجالس الذكر ويزعم أن الاجتماع للذكر بدعة،وهذا من تلبيس الشيطان عليه .فنعوذ بالله من نزغات الشيطان وتوهيمه وتلبيسه.
ونسأل الله التوفيق والإخلاص وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

من الافعال التي تنفع العبد في الدنيا

 ينفع في الدنيا ثلاث:
١_ الاجتماع مع الأحباب .يعني للتعاون على طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. 
٢_ التهجد بقراءة القرآن الكريم. 
٣_ أن تقعد في مكان خال وتذكر ربك عز وجل .
وانظر السوانح القلبية١\٤٧

من الاطلاع على علم الغيب

من الاطلاع على علم الغيب 
☉لا يعلم الغيب إلا الله وحده عز وجل ولكن قد يطلع الله من شاء من عباده على ذلك ، وقد أطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على علم الغيب والأدلة على ذلك كثيرة مشهورة.
☉ومن ذلك إخبار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أم الفضل زوجة عمه العباس رضي الله عنهما  بأنها حامل وهي لم تكن تعلم ، بل وحدد أن الجنين غلام .
☉جاءفي مجمع الزوائد في كتاب المناقب 
ما نصه :
15514 - وعن ابن عباس قال : حدثتني أم الفضل بنت الحارث قالت : بينا أنا مارة والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الحجر ، فقال : " يا أم الفضل " .
 قلت : لبيك يا رسول الله .
⬅ قال : " إنك حامل بغلام " . 
قلت : كيف وقد تحالفت قريش لا يولدون النساء ؟ !
قال: "هو ما أقول لك،فإذا وضعتيه فائتيني به " . 
فلما وضعته ، أتيت به النبي - صلى الله عليه وسلم - فسماه عبد الله ، وألباه بريقه . 
قال : " اذهبي به ، فلتجدنه كيسا " . قالت  : فأتيت العباس فأخبرته فتبسم ، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان رجلا جميلا مديد القامة ، فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - قام إليه ، فقبل ما بين عينيه وأقعده عن يمينه ، ثم قال :"هذا عمي ، فمن شاء فليباه بعمه " . 
فقال العباس : بعض القول يا رسول الله . قال:"ولم لا أقول وأنت عمي وبقية آبائي ؟ ! والعم  والد " . رواه الطبراني ، وإسناده حسن  . انتهى كلام الحافظ الهيثمي. 
http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?bk_no=87&ID=3015&idfrom=15643&idto=15645&bookid=87&startno=2

السبت، 30 ديسمبر 2017

مدارس عقيدة أهل السنة والجماعة

عقيدة أهل السنة :
☉أهل السنة والجماعة ،لهم مدرستان في العقيدة هي امتداد لسلفهم من الصحابة،والتابعين ،
ومن سار على نهجهم من المحدّثين ،والفقهاء ،والمتكلمين ،والصوفيين الصادقين ،وهما : *مدرسة  اﻷشاعرة ،ومدرسة الماتردية ؛فهم بحق أهل السنة في العقيدة* .
*وهذه المدرسة العلمية العقدية تتميز بأمور كثيرة منها*:
اﻷمر اﻷول: أن مصدر التلقي هما :القرآن الكريم، والسنة النبوية الثابتة .
الأمر الثاني:أن عقائدهم لا تناقض الأدلة النقلية ،والبراهين العقلية القطعية .
الأمر الثالث :تسلسل علماء لهذه المدرسة العقدية ،وهم :جمهور علماء الأمة الإسلامية على 
مر السنين ، *بل كل أسانيد القرآن الكريم ، وكتب الحديث المنقولة إلينا ؛مدارها على أهل السنة من الأشاعرة والماتردية ،وقليل من الأسانيد بالحنابلة الصوفية، ولا يوجد سند أبداً إلا متسلسل بهم* .
اﻷمر الرابع : كتب عقدية مسندة محفوظة تُحفظ بها أقوالهم العقدية وتشرحها.
اﻷمر الخامس :أن هذه الأسانيد ثابتة متصلة لهذه الكتب ، يرويها باﻷسانيد المتصلة خلفهم عن سلفهم .
☉ولهذا فلا ثقة بغير عقيدة أهل السنة ،وميراثها الزاخر بالعلم ،والمعرفة ،والمستنير بنور الاتصال بسيدنا رسول الله _صلى الله عليه وآله وسلم ،وورثته من العلماء رحمهم الله تعالى .

الخميس، 18 ديسمبر 2014

الوسائل الى المقاصد الحسنة هي سنة حسنة

الوسائل الى المقاصد الحسنة هي سنة حسنة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه اما بعد: لقد جاءت النصوص الشرعية الكثيرة بالحث على ذكر الله تعالى لما فيه من خير عظيم وفضل كبير . وهذه النصوص جاءت تارة تحث على الاجتماع للذكر وتارة تحث على الذكر منفردا . فليس اجتماع المسلمين على ذكر الله تعالى بأمر مستنكر لمن عرف أن من مقاصد الشريعة تعاون المسلمين واجتماعهم على طاعة الله تعالى لما فيه من عظيم البركات قال تعالى “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان” ولا يوجد مسلم له قلب يزعم أن ذكر الله ليس من البر والتقوى . فإذا اجتمع المسلمون لعمل ذلك فإنما هو من التعاون على الخير . مطلب في ذكر الأدلة على الاجتماع للذكر: قال الله تعالى ” {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة: ]. وهذا الأمر موجه لجميع الأمة وهو وارد بلفظ الجمع فتخصيصه بالأفراد دون اجتماع الجماعة لهذا العمل الشرعي ليس إلا من تلبيس الشيطان . وقال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسَبِّحُوه بكرةً وأصيلاً} [الأحزاب: 41ـ42]. وهو خطاب عام لجميع المؤمنين لم يقل لا تذكروا الله جماعة ولا قال تعالى اذكروا الله فرادى فمن زعم أنه لا يجوز أن يجتمع المسلمون لذكر الله جماعة فقد ظلم وضيق أمر الله العام الشامل فقيده بمحض الهوى وحب التحكم. ولا يوجد أي نص يقيد أو يخصص هذه النصوص العامة بالذكر الفردي دون الاجتماع جماعة للذكر . بل على العكس تماما فقد وردت النصوص الكثيرة من السنة المطهرة التي تدل على الأمر بالاجتماع للذكر لما فيه من بركة اجتماع المسلمين على طاعة الله تعالى . فمن الأحاديث: الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : “يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني ؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه “رواه البخاري ففي الحديث التصريح بالذكر في ملأ أي في جماعة . وتأمل يا أخي المسلم في هذا الحديث الصحيح الصريح في استحباب الذكر الجماعي حيث أخرج الامام مسلم، واالامام لحاكم – واللفظ له – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : ” إنَّ لله ملائكة سَيَّارة وفضلاء يلتمسون مجالس الذكر في الأرض، فإذا أتوا على مجلس ذكر حَفَّ بعضُهم بعضاً بأجنحتهم إلى السماء، فيقول الله : من أين جئتم ؟ فيقولون : جئنا من عند عبادك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويهللونك ويسألونك ويستجيرونك، ....... قد غفرت له، هم القوم لا يَشْقَى بهم جليسهم " فتأمل في هذا الحال ترى أن الملائكة عليهم السلام يبحثون عن مجالس وتلك المجالس فيها قوم متجالسون اجتمعوا يذكرون الله تعالى بأنواع من الذكر منها التهليل وهو قول لا اله الا الله ومنها التكبير وهو قول الله أكبر .وهكذا . فهذا الفعل المحمود عند الله تعالى أصبح مذموما عند بعض الناس هداهم الله تعالى. ولو أتى دليلا واحدا لكان يكفي في استحباب الاجتماع للذكر فكيف بهذه الآيات والأحاديث . وتأمل فيما أخرج الإمام مسلم، والامام الترمذي، عن أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنهما- قالا : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ” ما من قَوْم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ” . تأمل يا حبيب الله ترى أنه يقول ما من قوم ولم يقل مما من فرد فقط .وهؤلاء القوم في مجالس ذكر سبق بيان أفعالهم فيها وهو أنهم كما في الحديث السابق يسبحون ويهللون وغيرها من ألفاظ الذكر المعلومة.. وهذا حديث في مسند الإمام أحمد، ونصه: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر. ورواه أيضاً الترمذي وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الامام السيوطي رحمه الله وغيره. وقد جاءت رواية تفسر معنى الرتع رواها الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: المَسَاجِدُ، قُلْتُ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ” . قال الامام الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حسن غَرِيبٌ. فتأمل كيف أنهم يقولون أنواعا من الذكر منها سبحان الله ولا اله الا الله…. قال الشيخ سلطان علي قارىء الحنفي رحمه الله تعالى في شرحه لمشكاة المصابيح: حاصل المعنى ، إذا مررتم بجماعة يذكرون الله تعالى فاذكروه أنتم موافقة لهم ، فإنهم في رياض الجنة . قال الامام النووي رحمه الله تعالى : واعلم أنه كما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله ، وهو قد يكون بالقلب ، وقد يكون باللسان ، وأفضل منهما ما كان بالقلب واللسان جميعا ، فإن اقتصر على أحدهما ، فالقلب أفضل ، وينبغي أن لا يتركالذكر باللسان مع القلب بالإخلاص خوفا من أن يظن به الرياء ، وقد نقل عن الفضيل : ترك العمل لأجل الناس رياء ، والعمل لأجل الناس شرك . والإخلاص أن يخلصك الله منهما ، لكن لو فتح الإنسان على نفسه باب ملاحظة الناس والاحتراز عن طرق ظنونهم الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب الخير . انتهى والمحافظة على هذه المجالس لا بد فيها من الصبر كسائر الطاعات واذكر نفسي واخواني المسلمين بما أمرنا الله تعالى به في محكم التنزيل حيث قال ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) قال الإمام ابن كثير الشافعي رحمه الله تعالى في تفسيره اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ، ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ، ويسألونه بكرة وعشيا من عباد الله ، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء . انتهى وقال الإمام الطبراني رحمه الله تعالى: حدثنا إسماعيل بن الحسن ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، عن أسامة بن زيد عن أبي حازم ، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال : نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في بعض أبياته : (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) فخرج يلتمسهم ، فوجد قوما يذكرون الله تعالى ، منهم ثائر الرأس ، وجافي الجلد وذو الثوب الواحد ، فلما رآهم جلس معهم وقال : ” الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم ” انتهى كما في تفسير ابن كثير أيضا. وقال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره: حدثنا الربيع بن سليمان ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : أخبرني أسامة بن زيد ،عن أبي حازم ، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف ، أن هذه الآية لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) فخرج يلتمس ، فوجد قوما يذكرون الله ، منهم ثائر الرأس ، وجاف الجلد ، وذو الثوب الواحد ، فلما رآهم جلس معهم ، فقال : “الحمد لله الذي جعل لي في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معه ” فتأمل أخي الحبيب في قوله وجد قوما يذكرون الله تعالى . فهذا هو ديدن المسلمين منذ عصر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا وتأمل كيف نقله شيخ المفسرين الامام ابن جرير الطبري وابن كثير كما نقله الامام القرطبي وغيرهم رحمهم الله تعالى . وراجع هذه الآية الكريمة في تفسير المفسرين كتفسير الإمام ابن كثير أو شيخ المفسرين الامام ابن جرير الطبري أوالامام القرطبي رحمهم الله تعالى. ثم علينا أن نحذر كل الحذر مما نهانا الله تعالى عنه في نفس الآية حيث قال تعالى “ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا” فالغافل عن ذكر الله تعالى يستحوذ عليه الشيطان وينسيه ذكر الله تعالى ولا يزال يتدرج به في الغفلة حتى يرى هذه الغفلة قربة وطاعة ثم قد يصير به الحال إلى أن يدعو الناس إلى ترك مجالس الذكر ويزعم أن الاجتماع للذكر بدعة.وهذا من تلبيس الشيطان عليه .فنعوذ بالله من نزغات الشيطان وتوهيمه وتلبيسه. مطلب :غلط رد النصوص بأثر سيدنا ابن مسعود: حاول المخالفون رد هذه النصوص الكثيرة الصريحة بأثر يروى عن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه ليس له إسناد ثابت وأمثل أسانيده الضعيفة هو ما رواه الإمام الدارمي في سننه بسنده الى عمر بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال : أَخَرَجَ إليكم أبو عبد الرحمن بعد ؟ قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج . فلما خرج قمنا إليه جميعا فقال له أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد أنفا أمرا أنكرته،ولم أر والحمد لله إلا خيراً. قال: فما هو. فقال: إن عشت فستراه، قال رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصا، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائةً، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة. ويقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم ؟ قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك، أو انتظار أمرك. قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنْتُ لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون. قالوا: يا عبد الله حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيءٌ، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم متوافرون وهذه ثيابه لم تبل، وأنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلي ملة هي أهدي من ملة محمدٍ أو مفتتحوا باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج.انتهى وهذا الأثر عن سيدنا ابن مسعود لا يصح أن نعارض به أدلة الذكر الجماعي الكثيرة للأسباب التالية: السبب اﻷول : أن أثر سيدنا ابن مسعود ليس بحديث أصلا بل هو قول صحابي ومعلوم إجماع العلماء أن رأي الصحابي اذا خالف دليلا واحدا من الأدلة الشرعية فلا يؤخذ به فكيف إذا خالف أدلة كثيرة ؟! السبب الثاني: أن هذا الأثر ليس فيه إنكار لاجتماعهم على الذكر بل أنكر عليهم حال العجب والمن بالعمل على الله تعالى والتصدر للناس مع وجود الصحابة الكرام الذين هم أتقى وأعلم بالله .وتفرس أنهم من الخوارج الذين حذر منهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد صدقت فراسته . فمن تأمل لم يجد أي كلمة واحدة نهى فيها عن الاجتماع للذكر وانما قال لهم «أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم»، و كذلك قوله « فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء». أما من توهم بعقله وسوء فهمه أن الصحابة ينهون عن التعاون على طاعة الله تعالى والاجتماع لذكر الله تعالى فقد أبعد عن الحق بلا شك. ولو كان لمجرد تحلقهم لذكر الله فهو معارض بحلق الذكر التي حث عليها الشرع . ولو كان لمجرد عد الأذكار لكان معارض بجواز العد ولو كانوا فرادى كما في اذكار الصباح والمساء وتسبيحات دبر الصلوات ولقيل لا تعدوا ثلاث وثلاثين بل عدوا سيئاتكم !! فإذن لا معنى لهذا إلا أنه تفرس أنهم الخوارج الذي حذر منهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهد من حالهم ما يدل على العجب والغرور وحب التصدر وهذا والله هو حال الخوارج في كل زمان إلى زماننا هذا كما نشاهده رأي العين. السبب الثالث : أن أثر سيدنا ابن مسعود لم يصححه أي حافظ من علماء الحديث قبل زماننا هذا بل على العكس ردوه بسبب مخالفته للنصوص الصريحة وبسبب ضعف إسناده . فمنهم من رده مباشرة لمعارضته للنصوص الصريحة كما فعل الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى . قال الامام السيوطي رحمه الله تعالى في رسالة نتيجة الفكر في الجهر بالذكر قلت: هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج إلى بيان سنده، ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم، وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة، وهي مقدمة عليه عند التعارض . انتهى ومنهم من صرح أنه أثر غير ثابت كما قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى. وقال الامام الألوسي رحمه الله في تفسيره روح المعاني 163/ 6 : وما ذكر في الواقعات عن ابن مسعود من أنه رأى قوما يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم إلا مبتدعين حتى أخرجه من المسجد لا يصح عند الحفاظ من الأئمة المحدثين وعلى فرض صحته هو معارض بما يدل على ثبوت الجهر منه رضي الله تعالى عنه مما رواه غير واحد من الحفاظ أو محمول على الجهر البالغ.انتهى كلامه. مطلب:حكم الذكر بعدد محدد أو وقت محدد الذكر على نوعين :وهما : الذكر المطلق ،والذكر المقيد. النوع الأول الذكر المطلق: وهو ما جاء الشرع بالأمر به ولم يحصره في عدد ولا وقت ولا حال بل هو جائز في كل وقت وحال .كما قال تعالى “يا أيها الذين أمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً " وكما في الحديث الشريف “كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يذكر الله على كل أحيانه ” رواه الترمذي وغيره. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”بكل تسبيحة صدقة وكل تهليلة صدقة….” وغيرها من نصوص الحث على كثرة التعبد لله تعالى مطلقاً . فالمطلوب هو كثرة الذكر دائما .كما أمر الله تعالى. وهذا هو الذي يحث عليه كثير من الصالحين ومنهم سيدي فضيلة الشيخ أحمد فتح الله جامي حفظه الله تعالى. النوع الثاني الذكر المقيد : وهو على قسمين : القسم الأول :ما تقيد به المكلف لورود النص الشرعي الخاص تقييده. فمنه المقيد بحال المصلي كتسبيحات الركوع والسجود وأوراد دبر الصلاة المفروضة ونحو ذلك. فهذه الأذكار ورد الشرع بها ولا يوجد علة ظاهرة لتعيين العدد إلا محض التعبد ،أي أن الله تعالى أمرنا بها فأطعناه وإن لم نعلم أي علة لهذا العدد ولذا فلا بزاد فيها على ماورد به النص الخاص إلا بدليل. القسم الثاني :ما تقيد به المكلف ﻷسباب شرعية وهي على نوعين: النوع الأول:ما تقيد به المكلف بسبب النذر أو العهد أو الوعد . كطالب جامعي وعد معلمه بالمحافظة على ذكر لا اله الا الله في كل يوم مئة مرة . أو شاب وعد والديه وعاهد أن يحافظ على الاستغفار كل يوم مئة مرة في الصباح والمساء . أو رجل نذر أن يسبح كل يوم الف تسبيحة. فهؤلاء ينبغي لهم شرعا الوفاء بما قطعوا على أننفسهم من وعود أو نذر . قال الله تعالى : ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ) وقال تعالى : ( وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ) ، وقال في مدح عباده المؤمنين (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) و قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم “مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ ، فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ ، فَلَا يَعْصِهِ ” .رواه البخاري ولا شك أن الذكر والاستغفار والتسبيح والصلوات على رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة . فمن نذر فعليه بالوفاء ليكون ممدوحا عند الله تعالى حيث قال عزوجل”يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا” ومن ينوي عند الوعد عدم الوفاء، فهذا هو المقصود بحديث: آية المنافق ثلاث وذكر منها: إذا وعد أخلف… متفق عليه. قال الامام النووي في كتاب المجموع شرح المهذب : أجمعوا على أن من وعد إنساناً شيئاً ليس بمنهي عنه فينبغي أن يفي بوعده، ……………إلى أن قال :فإن كان عند الوعد عازماً على أن لا يفي به فهذا هو النفاق . انتهى وقال الإمام ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ” يعني أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها. انتهى النوع الثاني من المقيد: هو ما تقيد به المكلف لأجل تحقيق مقاصد شرعية . فمعلوم أن كثرة الذكر في الشريعة الإسلامية مطلب شرعي مقصود بعينه . والإنسان لا يستطيع التوصل اليه الا باتخاذ الوسائل التي يتوصل بها لهذا المقصد العظيم . وحتى يتحقق هذا المقصد فهو يتخذ الوسائل التي يتوصل به إليه فمنها: التدرج: فيبدأ بالقليل حتى يصل إلى الكثير . ومنها المداومة والاستمرار . ومنها أن يلتزم بصحبة من يعاونه على الذكر. ومنها اتخاذ أوقات مناسبة له ليذكر فيها. و منها أن يحافظ على مقدار معين يعمله يوميا سواء قدره بزمن معين بمقدار ساعة أو أربعين دقيقة أو أكثر أو أقل أو قدره بعدد معين كأن يكون مئة أو ثلاثمائة أو أقل أو أكثر حتى يعتاد الانضباط ويتخلص من شهوة التفلت لكي يترقى في مدارج السالكين . فهذا التقييد بالعدد والزمن والصحبة والمكان هي مجرد وسائل لتحقيق مقصد شرعي معتبر وهو تماما كتحديد المدارس الشرعية لحصص دراسة الفقه والقرآن الكريم والعلوم الشرعية بزمن محدد في جميع المدارس فيخصصونها به حتى يستطيع الطالب والمعلم التوصل إلى المقصد المطلوب وهو إيصال العلم الشرعي بالتدرج والانضباط . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم” عمله ديمة” فهذا التقيد بالزمن أو العدد أو المكان هو وسائل مستحبة.والقاعدة الشرعية تنص على أن للوسائل أحكام المقاصد. كما قال العلماء رحمهم الله تعالى. والنظر في الوسائل يكون من جهة : هل نهى الشارع عن هذه الوسيلة أم لا؟ فيكفي في الوسائل أن يكون الشارع لم ينهى عنها وأنها لاتؤدي إلى معصية من المعاصي . ثم أننا لانحكم للوسائل بحكم منفصل عن الغاية المقصودة ، لأنه قد تقرر أن الوسائل لها أحكام المقاصد. فإذا كان القصد مطلوبا شرعا ، فإنه يشرع التوصل والتوسل إليها بكل وسيلة لم ينهى عنها الشرع بخصوصها. وبهذا يعلم المسلم أن الوسائل التي تعين على الذكر أو على النشاط فيه كالانشاد المباح أو الحركة أو نحو ذلك ماهي لا وسائل لم ينهى الشرع عنها بل هي من جنس الانشاد الذي كان يفعله أنجشة وعامر بن الأكوع وابن رواحةوغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.فالتعنت في الانكار لاينبغي إلا على منكر واضح. مطلب في ذكر مواقف أحدثت للتوصل إلى طاعة: في هذا المبحث سأذكر عدة مواقف تبين أن فهم السلف للبدعة ليس كما يفهمه المتنطعون في زماننا: الموقف الأول : إحداث الاجتماع لصلاة التراويح بعد أن تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنهم. وقد يقول جاهل أن عمر من الخلفاء الراشدين . وجوابه أنه لا شك في ذلك لكنه ليس معنى سنة الخلفاء الراشدين أن يحق لهم التشريع بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل معناه أنهم متمسكون بهديه وفهمه بالفعل وبذلك صاروا أسوة حسنة للمسلمين . فإذا علمنا ذلك علمنا أن فعل الوسائل التي تؤدي إلى مقاصد الشريعة هو من السنن الحسنة . ففي صحيح البخاري في كتاب صلاة التراويح ما نصه: “قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ذلك”، قال الحافظ ابن حجر: “أي على ترك الجماعة في التراويح”. ثم قال ابن شهاب في تتمة كلامه: “ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر رضي الله عنه”. وفيه أيضا عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال:خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: “نعم البدعة هذه”.ا.هـ. وفي الموطأ بلفظ: “نِعمت البدعة هذه”. قال الحافظ ابن حجر: “قوله قال عمر: “نعم البدعة” في بعض الروايات “نعمت البدعة” بزيادة التاء، والبدعة أصلها ما إحداث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة”ا.هـ. ومراده بالأحكام الخمسة: الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام . الموقف الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن رِفاعة بن رافع الزَّرقي قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: “سمع الله لمن حمده”، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: “من المتكلم” قال: أنا، قال: “رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول”. قال الحافظ ابن حجرفي الفتح في شرح هذا الحديث: “واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور” ا.هـ. الموقف الثالث: احداث حلق الوعظ والتذكير والعلم قبل صلاة الجمعة: فاحدثوا سنتين حسنتين هما :التحلق قبل الصلاة،وتخصيصه بيوم الجمعة. فقد كان السلف يخصصون هذا الوقت وذلك لما فيه من مصلحة اجتماع الناس ففي " المستدرك " ( 6173 ) عن عاصم بن محمد عن أبيه قال : " رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يخرج يوم الجمعة فيقبض على رمانتي المنبر قائما و يقول : حدثنا أبو القاسم رسول الله الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم . فلا يزال يحدث حتى إذا سمع فتح باب المقصورة لخروج الإمام للصلاة جلس ".قال ( 3/585 صحيح الإسناد و لم يخرجاه .و قال الذهبي في " مختصره " : صحيح . و في " مصنف " ابن أبي شيبة ( 5409 ) : حدثنا ابن مبارك عن أسامة بن زيد عن يوسف بن السائب عن السائب – رضي الله عنه - قال :" كنا نتحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ". و رواه أبو الشيخ في " طبقات المحدثين بإصبهان " ( 1275 ) . قال : حدثنا عبد الله بن أبي عمرو ، قال : ثنا هارون بن طريف المكي ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : ثنا أسامة بن زيد ، أن محمد بن يوسف ، حدثه أنه ، سمع السائب بن يزيد – رضي الله عنه - ، يقول : " كنا نتحلق يوم الجمعة قبل النداء الأول فإذا نودي للصلاة قمنا" ولا يعارضه ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء و البيع في المسجد و أن تنشد فيه الأشعار و أن تنشد فيه الضالة و عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة " لأن له معنى بينه العلماء قال الامام النووي رحمه الله في " الخلاصة " ( 2/787 ) في ترجمة الحديث : ( باب النهي عن التحلق في الجامع قبل الصلاة إذا كان فيه تضييق على المصلين ، سواء التحلق للعلم أو غيره ) و قال الامام الطحاوي رحمه الله تعالى في " شرح معاني الآثار " ( 4/359 ) : التحلق في المسجد قبل الصلاة مما عمه من ذلك فهو مكروه ، و ما لم يعمه منه ولم يغلب عليه فليس بمكروه . الموقف الرابع: إحداث خبيب لصلاة ركعتين قبل القتل : ففي صحيح البخاري في غزوة الرجيع:“وكان خبيب هوقتل الحارث يوم بدرفمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها فأعارته قالت وكانت تقول ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكةيومئذ ثمرة وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزق رزقه الله فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال دعوني أصلي ركعتين ثم انصرف إليهم فقال لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت .فكان أول من سن الركعتين عند القتل”رواه البخاري فتأمل في قوله فكان أول من سن الركعتين قبل القتل . فهل اعتبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعة ضلالة لأن الصحابي فعلها قبل أن تشرع ؟ أم أقر فعله بعد وفاة الصحابي الجليل رضي الله عنه لأنهم من المعروف أصلا أنها سنة حسنةلا تخالف الدين . الموقف الخامس: إحداث الأذان الأول للجمعة في عصر سيدنا عثمان رضي الله عنه لأنه وسيلة للتنبيه على اقتراب الوقت: وهذا العمل لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا في عهد سيدنا أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. عن السائب بن يزيد قال” كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء “رواه البخاري في صحيحه في باب النداء يوم الجمعة وقال:قال أبو عبد الله الزوراء موضع بالسوق بالمدينة.انتهى قال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث :وفي روايته عند الطبراني” فأمر بالنداء الأول على دار له يقال لها الزوراء ، فكان يؤذن له عليها ، فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول ، فإذا نزل أقام الصلاة “ وتبين بما مضى أن عثمان رضي الله عنه أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة..انتهى. فهكذا كان فهمهم للدين فليسوا ممن هواهم وديدنهم تبديع أهل السنة. الموقف السادس:تخصيص ابن مسعود يوم الخميس للموعظة والذكر: جاء في صحيح البخاري في كتاب العلم” كان عبدُ اللَّهِ يذَكِّرُ النَّاسَ في كلِّ خميسٍ . فقالَ لَهُ رجلٌ: يا أبا عَبدِ الرَّحمنِ لودِدتُ أنَّكَ ذَكَّرتَنا كلَّ يومٍ ؟قالَ: أما إنَّهُ يمنعُني من ذلِكَ أنِّي أَكرَهُ أن أُملَّكم، وإنِّي أتخوَّلُكم بالموعظةِ، كما كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يتخوَّلنا بِها، مخافةَ السَّآمةِ علَينا.” فتخصيصه الموعظة للناس يوم الخميس لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الصحابة قد علموا أن الوسائل إلى الخير جائزة غير ممنوعة شرعا ما لم يرد نص صريح صحيح بالنهي عنها . أما الاستدلال بحديث “كل بدعة ضلالة ” على تبديع السنن الحسنة التي أحدثت لتحقيق مقاصد شرعية مطلوبة فهو عمل باطل واستدلال بدليل عام في غير مكانه. مطلب :ما كان من الدين فليس بدعة ضلالة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” متفق عليه. قال ابن رجب وألفاظه مختلفة ، ومعناها متقارب ، وفي بعض ألفاظه : ” من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد ” . وجاء في كتاب الإبانة الكبرى لابن بطة العكبري الحنبلي رقم الحديث: 115 ساق بسنده عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَنْ فَعَلَ فِي أَمْرِنَا مَا لا يَجُوزُ فَهُوَ رَدٌّ ” . بهذه الألفاظ النصية يفهم معنى كل بدعة ضلالة فهي البدعة التي تخالف الشرع وتصادمه .أما الأعمال التي تؤيد الشريعة وتنصرها وتعين على العمل بها فليست بدعة مذمومة بل هي سنة حسنة وتأمل في هذه النصوص فهي تزيد يقينا بهذا فإن قوله عليه الصلاة والسلام (ما ليس منه) يكفي لفهم ذلك . فمن يزعم أن ذكر الله تعالى والاجتماع له والتعاون عليه أو اتخاذ الوسائل التي تعين على كثرة الذكر كالعدد والسبحة ونحوها من الوسائل ليست من الدين الإسلامي فقد غلط بلا ريب. وانظر إلى اللفظ الأخر للحديث الذي ساقه ابن بطة وهو “من فعل في أمرنا مالا يجوز ” فإنه يؤكد ذلك . ومفهوم هذه النصوص من عمل عملا لا يخالف الدين فهو منه وليس بمخالف للدين القويم. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِها بعْدَهُ كُتِب لَه مثْلُ أَجْر من عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وزر من عَمِلَ بِهَا ولا يَنْقُصُ من أَوْزَارهِمْ شَيْءٌ» [رواه مسلم]. جاء في لسان العرب: وكل من ابتدأَ أَمراً عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سَنَّه. وعلى ذلك فالسنة الحسنة هي: أن يعمل الإنسان عمل طاعة فيقتدي به غيره ويتابعه على ذلك. ومن السنة الحسنة أن يحدث الإنسان فعل شيء لم يسبق إليه مستنداً في ذلك إلى دليل شرعي عام ، ومنها أن تكون هناك سنة مهجورة تركها الناس، ثم فعلها شخص فأحياها، فهذا يقال عنه سنها، بمعنى أحياها . ومنها كذلك: أن يحدث المسلم شيئاً كوسيلة لأمر مشروع، فهذا لا يتعبد بذاته، ولكن لأنه وسيلة لغيره. ومن ذلك التقيد بعدد في الذكر يتوصل به إلى كثرة الذكر ومنه الاتفاق على وقت يجتمعون فيه لذكر الله تعالى وغيرها من الوسائل الشرعية في التعليم والدعوة ونحو ذلك. ولذا ثبت عن السلف هذا البيان فقال الإمام البيهقي في كتاب مناقب الشافعي :أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل قال حدثنا أبو العباس الأصم قال حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا الشافعي قال: المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة, والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة.مناقب الشافعي (1/469). وقال الحافظ ابو نعيم في كتابه حلية الأولياء(حدثنا أبو بكر الآجري ثنا عبدالله بن محمد بن عبدوس العطشي ثنا إبراهيم بن الجنيد ثنا حرملة بن يحيى قال سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول البدعة بدعتان بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم) . فالبدعة الحسنة مقصودهم بها السنة الحسنة وإنما سميت بدعة بمعنى البدعة اللغوية فهذا هو فهم أهل السنة جزاهم الله خيرا. وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لهإ رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الأحد، 7 ديسمبر 2014

من جواهر التوحيد الكلام عن صفة الوجود

الدرس الثالث عشر: من الكماﻻت التي يجب إثباتها لله عزوجل إثبات عشرين صفة: وقد قسمها العلماء إلى اربعة أقسام وهي: القسم اﻷول:الصفة النفسية وهي صفة واحدة وهي الوجود. القسم الثاني:الصفات السلبية:وأصولها خمس صفات ثابتة لله تعالى وفي اثباتها سلب لضدها من الصفات الباطلة . القسم الثالث:صفات المعاني: وهي سبع صفات . القسم الرابع: الصفات المعنوية. ------------------- أوﻻ الصفة النفسية :وهي الوجود: فالله تعالى ﻻيجوز عليه العدم أزﻻ وأبدا بل هو واجب الوجود. ووجوده غير معلل بعلة أي أنه لم يؤثر في وجوده شيء سبحانه وتعالى .فوجوده تعالى ذاتي بخﻻف وجود المخلوقات ﻷن وجودها بفعل فاعل فعلهاوهو ربنا عز وجل فأوجدها بعد العدم. وصفة الوجود هي تدل على نفس ذات موﻻنا عز وجل ولذلك سميت صفة نفسية أي تدل على نفس الذات . ووصف الوجود ليس كصفات المعاني قائمة بالذات بل هو حكم لها. ومعناه: أن الله موجود . والدليل على وجود الله تعالى أدلة نقلية وعقلية فمن اﻷدلة النقلية : في سورة اﻷنعام قال الله تعالى "ذلكم الله ربكم ﻻ إله هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل " وقال تعالى في سورة البقرة "إن في خلق السموات واﻷرض واختﻻف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به اﻷرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الريح والسحاب المسخر بين السماء واﻷرض ﻵيات لقوم يعقلون" ﻭﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ في سورة الجاثية "إن في السموات واﻷرض ﻵيات للمؤمنين *وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون* واختﻻف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به اﻷرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون" 44 واما البراهين العقلية : فمن تأمل في النصوص القرآنية عرف أن الله أمر بالتفكر في المخلوقات لينتج عن هذا التفكر ثمرات عظيمة وأساسها في ثمرتين: الثمرة اﻷولى :أصل اﻹيمان بوجود الله تعالى وبصفاته العظيمة كالقدرة واﻹرادة والعلم . والثمرة الثانية:كمال اﻹيمان :وهو زيادة اليقين وذلك بزيادة الدﻻئل . فأما أصل اﻹيمان وهو مبحث العقيدة في هذه الدروس : فبيان ذلك أن من نظر في هذه المخلوقات ومنها اﻹنسان وجد أنها حدثت بعد عدم وأنها تتغير من حال إلى حال .والتغير هو انعدام وصف وحدوث وصف بعد عدم وهذا العدم والوجود يحصل للذوات والصفات . فمالذي رجح كفة الوجود على كفة العدم ؟! فنحن رأينا بأعيينا أشياء كانت عدما منها اطفالنا واعمالنا ثم أوجدت بعد ذاك العدم فمن الذي رجح كفة الوجود على العدم ؟ﻻ شك أن هناك سبب لذلك ﻷنه من المستحيل رجحان كفة على كفة بدون مرجح . ويستحيل أن يكون هذا المرجح للكفة شيء حادث أيضا وإﻻ لزم افتقاره إلى مرجح آخر فيتسلسل هذا اﻻحتمال لغير بداية . ويستحيل الدور وهو أن يكون وجود الشيء متوقف على وجود نفسه ﻷنه يلزم أن ﻻ يحصل أي وجود لشيء . فإذن ﻻبد من شيء وجوده غير متوقف على شيء آخر وأن يكون قديما غير حادث وهذا الشيء هو الفاعل لكل حادث .ونحن نؤمن بهذا الشيء وهو الله جل جﻻله كما تواتر عن الرسل الكرام المؤيدون بالمعجزات الباهرة عليهم الصﻻة والسﻻم . فتغير الشمس والقمر والسموات واﻹنسان هو أعظم برهان على عدم كونها أربابا ﻷن التغير يدل قطعا على الحدوث. فالتغير هو حدوث شيء أو فناءه. مثاله :اﻹنسان كان عدما ثم حدث بعد العدم فكان نطفة ثم تغير من نطفة إلى مضغة ثم تدرج في التغير حتى صار قويا ثم ضعيفا فﻻ شك بأن هذا التغير بجميع مراحله حادث بعد عدم . والشمس تتغير وسبب حكمنا بالتغير هو حركتها التي يدل عليه أفولها وحرها وبردها والذي خصصها بحجم ولون وغيرها من اﻷعراض وكل متغير حادث وكل حادث ﻻبد له من فاعل أوجدها ويتصف بقدرة واردة وعلم وحياة . 45 إذن نسنتج نتيجتين أساسيتن : النتيجة اﻷولى :أن الله تعالى أنعم على اﻹنسان بنعمة العقل وحثه على التفكر في ما بستطيع التفكر فيه وهي اﻷمور التي يراها بعينه ويسمعها بإذنه أو يذوقها بلسانه أو يلمسها أي ما يتصل بالحواس الخمس .فنظر في الطبيعة سماءها وارضها وشمسها وقمرها ونجومها وفي اﻹنسان من حين نشأته الى مماته .وفي اختﻻف المطعومات في طعمها والملموسات في نعومتها وغلظها والمشمومات بأنواعها والمسموعات بأجناسها .فمن تفكر وجد أن جميعها حادثة مخلوقة بدليل أنها تتغير من عدم الى وجود ومن وجود إلى عدم . ومن صفة الى صفة . وأنها محتاجة مفتقرة إلى غيرها .وأن هذه الحادثات لها أشكال بديعة في اﻹتقان ولها أوزان ونسب مخصصة وأنها مسخرة تجري على نسق منتظم . فأخذ من ذلك القواعد التالية : القاعدة اﻷولى :أن التغير يدل قطعا على الحدوث فكل متغير حادث. القاعدة الثانية:أن التغير يدل على النقص واﻻفتقار ﻷنه إما تغير من نقص إلى كمال فإذن كان ناقصا واما من كمال إلى نقص فهو على كﻻ اﻻحتمالين يكون حادثا . القاعدة الثالثة:أن كل من اتصف بصفة حادثة فذاته حادثة قطعا . القاعدة الرابعة:أن الحدوث والتغير يدل على اﻻفتقار إلى الغير في اﻹيجاد واﻹمداد . القاعدة الخامسة :أن الفاعل للحادثات ﻻبد أن يكون مخالفا لها في جميع ذواتها وصفاتها .فلو اتصف بصفة من صفات المخلوقات فهو أيضا حادث مخلوق . القاعدة السادسة :أن هذا الشيء الفاعل الذي ليس بحادث ﻻبد أن يكون واحدا فقط ﻻ شريك له وﻻ معاون ﻷنه الشراكة والمعاونة تدل على اﻻحتياج للغير وهذا وصف الحوادث . القاعدة السابعة :أن هذا القديم ﻻبد أن يكون متصفا بصفة القدرة واﻹرادة والعلم والحياة . القاعدة السابعة :أنه دائم باق بذاته وصفاته ﻻينعدم وﻻ يفنى .فكل ما ثبت قدمه فيستحيل عدمه . النتيجة الثانية :أنها تواترت اﻷخبار القطعية أن هذا الشيء الواجب الوجود الذي يفتقر إليه كل حادث هو الله عز وجل المتصف بصفات الكمال المنزه عن صفات النقص فآمنا به يقينا ﻻ شك فيه فنسأل الله الثبات على الحق في جميع العوالم . آمين . 46

الأحد، 30 نوفمبر 2014

زيارة قبر رسول الله عليه الصلاة والسلام وقبور المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله رب العالمين الصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه:

زيارة قبر رسول الله عليه الصلاة والسلام مستحبة شرعا  وهي ليست خاصة ببلد دون بلد بل هي عامة لجميع المسلمين .
ويدل على مشروعية زيارة رسول الله عليه الصلاة والسلام بمجيء قبره الكتاب والسنة والإجماع وفعل الصحابة رضي الله عنه.
ولا يمكن أن يعمل المسلم هذا الأمر الشرعي إذا كان يبعد عن المدينة مسافة سفر إلا بالسفر ،ولذا كان الصحابة ومن أتى بعدهم من المسلمين يعملون بذلك على مر السنين إلى يومنا هذا .
وهذه بعض الأدلة على استحباب زيارة قبر رسول الله عليه الصلاة والسلام.
 الدليل الأول :الإجماع: قال القاضي عياض المالكي رحمه الله تعالى في كتاب الشفاء بتعريف حقوق المصطفى عليه الصلاة والسلام 2/71 ( و زيارة قبره صلى الله عليه و سلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها و فضيلة مرغب فيها . انتهى

 وقال الإمام الوزير ابن هبيرة الحنبلي في الإفصاح 1 / 297 ( واتفقوا على استحباب زيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما المدفونين معه ، وندبوا إليه ) اه
 وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري شرح صحيح البخاري 3/66 : (زيارة النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع ) اه

 ثانيا : الآيات من القرآ ن الكريم : ومنها قوله تعالى في سورة النساء ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ... ) قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال: { لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا }وقد ذكر جماعة منهم: الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه "الشامل" الحكاية المشهورة عن العُتْبي، قال: كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: يا خيرَ من دُفنَت بالقاع أعظُمُه ... فطاب منْ طيبهنّ القاعُ والأكَمُ ... نَفْسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنُه ... فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرمُ ... ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عُتْبى، الحقْ الأعرابيّ فبشره أن الله قد غفر له.انتهى بتمامه من تفسير ابن كثير.

وكذلك ذكر القصة الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية . وساق الإمام السيوطي في تفسيره الدر المنثور عند تفسيره لهذه الآية في سورة النساء الكثير من الأحاديث والآثار التي تحث على زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي معجم الامام الطبراني 9/220 : ( عن عبد الله بن مسعود قال: إن في النساء لخمس آيات ما يسرني بهن الدنيا وما فيها , وقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها وذكر منها : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما }) اه قال الهيثمي 7/71 : (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ) اه ففرح ابن مسعود بهذه الآية ظاهر في أنه عامة

 ثالثا : الأحاديث الواردة : فمنها ماجا في سنن الترمذي في باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور بسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة "وفي الباب عن أبي سعيد وابن مسعود وأنس وأبي هريرة وأم سلمة قال أبو عيسى حديث بريدة حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بزيارة القبور بأسا وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق . انتهى كلام الإمام الترمذي.

ولا شك أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل في الأمر بزيارة القبور وكذا الصحابة وجميع الصالحين رضي الله عنهم

 وكذلك الأحاديث الواردة :في خصوص زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وسلم وهي من فضائل الأعمال التي جاءات النصوص بالترغيب فيها فمن الأحاديث الشريفة:

 عن عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من زار قبري- أو قال: من زارني- كنت له شهيدًا- أو شفيعًا- ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله- عز وجل- في الآمنين يوم القيامة". قال الحافظ البوصيري في اتحاف الخيرة حديث رقم[2691]:رواه أبوداود الطيالسي بسند ضعيف لجهالة التابعي، ورواه البزار بزيادة طويلة، ورواه البيهقي وقال: إسناد مجهول، وله شاهد من حديث سبيعة رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير بسند صحيح.انتهى ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما : في المعجم الكبير 12/291 الأوسط 5/16 عن ابن عمررضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" : من جاءني زائرا لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقا على أن أكون له شفيعا يوم القيامة " اه
قال السبكي في شفاء السقام ص 16 : صححه ابن السكن

 ومنها:في سنن الدارقطني 2/278 " عن رجل من آل حاطب عن حاطب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي " قال الحافظ الذهبي : طرقه كلها لينة لكن يتقوى بعضها ببعض لأن ما في روايتها متهم بالكذب قال ومن أجودها إسنادا حديث حاطب ) انتهى

 ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنه: في سنن البيهقي5/246 عن عبد الله بن عمر قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي" قال الحافظ الهيثمي 3/666 : ( رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه حفص بن أبي داود القارئ وثقه أحمد وضعفه جماعة من الأئمة ) اه

 وحديث ابن عمر أيضا : ففي سنن الدارقطني 2/278: (عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من زار قبري وجبت له شفاعتي ) اه وهذا الاِسناد صحيح، رجاله ثقات، بلا خلاف، وإنّما وقع الكلام في عبيدالله بن عمر، وهو ثقة أيضاً، غير أنّ بعضهم رواه عن عبدالله، أخي عبيدالله، وهو دون أخيه، وبهذا تمسّك من ذهب إلى تضعيف الحديث.غير أنّ الثابت في جميع نسخ سنن الدارقطني «عبيدالله» مصغّراً، وهكذا رواه الدارقطني في غير السنن أيضاً .

ومنها حديث أنس رضي الله عنه : ففي شعب البيهقي 3/489 : " عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة " اه وفي 3/490 بلفظ ( من زارني محتسبا في المدينة كان في جواري يوم القيامة )اه وفي تلخيص الحبير 2/267 : ( عن أنس أخرجه بن أبي الدنيا في كتاب القبور قال نا سعيد بن عثمان الجرجاني نا بن أبي فديك أخبرني أبو المثنى سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك مرفوعا من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة وسليمان ضعفه بن حبان والدارقطني ) اه

وقد صحح أحاديث الزيارة بمجموع طرقها طائفة من أهل العلم قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير 2/267 : طرق هذا الحديث كلها ضعيفة لكن صححه من حديث ابن عمر أبو علي بن السكن في إيراده إياه في أثناء السنن الصحاح له وعبد الحق في الأحكام في سكوته عنه والشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين باعتبار مجموع الطرق ) اه وفي المقاصد الحسنة للحافظ السخاوي ص684: قال الذهبي : طرقه كلها لينة لكن يتقوى بعضها ببعض لأن ما في روايتها متهم بالكذب قال ومن أجودها إسنادا حديث حاطب .انتهى

رابعا فعل الصحابة: فمنه :أثر الخليفة الراشد سيدناعلي بن أبي طالب رضي الله عنه عند ابن عساكر عن علي قال ( من زار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في جواره ) وفي إسناده عبد الملك بن هارون قال الإمام أحمد: عبدالملك ضعيف كما في ميزان الاعتدال للذهبي.

 وقصة سيدنا بلال :رضي الله عنه: ففي تاريخ دمشق لابن عساكر 2/256 عن أبي الدرداء قال لما دخل عمر الشام سأل بلال أن يقره به ففعل ...ثم إن بلالا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وهو يقول ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني فانتبه حزينا وركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه ... ) اه وذكر القصة المزي في التهذيب في ترجمة بلال وقال السبكي في شفاء السقام ص 39 : ( روينا ذلك بإسناد جيد ولا حاجة إلى النظر في الاسنادين اللذين رواه ابن عساكر بهما، وإن كان رجالهما معروفين مشهورين ) وذكره السمهودي في وفاء الوفاء 2 /408 وقال : سند جيد ) وقال الشوكاني في نيل الأوطار3/105: وقد رويت زيارته صلى الله عليه وسلم عن جماعة من الصحابة منهم بلال عند ابن عساكر بسند جيد .
و كان فعل بلال رضي الله عنه بمحضر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير نكير بل باستحسان منهم انظر اُسد الغابة 1 : 307 ـ 308، ترجمة بلال بن رباح، وأخرجه ابن عساكر في ترجمة بلال أيضاً، وفي ترجمة إبراهيم بن محمد الاَنصاري، انظر: مختصر تاريخ دمشق 4 : 118 و 5 : 265، وتهذيب الكمال 4 : 289|782.

 ومنهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أاتفق الحاكم والذهبي على صحة الخبر المروي في زيارة أبي أيوب الاَنصاري قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيام ولاية مروان على المدينة، أي قبل سنة 64هـ، إذ أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ مروان برقبته، ثمَّ قال: هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه، فإذا أبو أيوب الاَنصاري، فقال: نعم، إنّي لم آتِ الحَجَر، إنّما جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آتِ الحَجَر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا على الدين إذا وليه غير أهله» صححه الحاكم في المستدرك على الصحيحين 4 : 560|8571، والذهبي في التلخيص على المستدرك وهو مطبوع في حاشية الصفحة.

 أثر عمر وكعب الأحبار : في فتوح الشام : ( لما صالح عمر أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرح عمر بإسلامه قال له عمر رضي الله عنه : هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتمتع بزيارته فقال كعب : أفعل ذلك يا أمير المؤمنين فلما قدم عمر المدينة أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) اه من شفاء السقام ص 56

ومن التابعين: عمر بن عبدالعزيز استفاض عن عمر بن العزيز أنّه كان يبرد البريد من الشام ليسلّم له على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . نقل ذلك أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم النبيل، المتوفى سنة 280هـ في كتابه «المناسك» وقد جرّده من الاَسانيد ملتزماً فيه الثبوت.

 الرد على المعترضين :
 أولا: رغم اجماع المسلمبن على استحباب زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنك تجد في زماننا من يقلد من خالف الإجماع ويزعم أن الإمام مالك كان يحرم الزيارة فلا إجماع ! وهذا غير صحيح قال الحافظ ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري: ومن جملة ما استدل به على دفع ما ادعاه غيره من الإجماع على مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم ما نقل عن مالك أنه كره أن يقول زرت قبر النبي صلى الله عليه و سلم وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه بأنه كره اللفظ ادبا لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع والله الهادي إلى الصواب .

 ثانياً: لهم شبهة قائمة على فهم خاطئ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الاَقصى». فقال هؤلاء: هذا يعني أنّ السفر إلى غير هذه الاَماكن الثلاثة بدعة وحرام! وأنّ السفر بأي قصد غير قصد هذه الاَماكن الثلاثة تعظيماً، والصلاة فيها حرام!! وهذه الشبهة مردودة؛ أولاً: بالأدلة السابقة . 
↩ومردودة بالحديث الذي تمسكوا به نفسه. فالحديث يقول: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد». والاستثناء هنا يعود إما إلى المساجد، فيكون المعنى: لا يجوز شدّ الرحال لشيء من المساجد تعظيماً لها، إلاّ المساجد الثلاثة المذكورة في الحديث.. وهذا هو الراجح، لاَنه لا يتعارض مع أوامر الشريعة، فلو قلنا لايجوز السفر لأي مكان لأدى إلى سد باب السفر للتجاره وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها وهذا يتعارض مع الشريعة وواقع السيرة النبوية الشريفة وسيرة المسلمين.

وكذلك لو قالوا أن المقصود هو تحريم السفر لبقعة بخصوصها إلا المساجد الثلاثة . فهذا كلام لا فائدة فيه لأن السفر ليس لأجل البقعة التي دفن فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام أو غيره من المسلمين بل السفر لزيارة المسلم المدفون في هذه البقعة .ومثله تماما السفر لمشفى من المشافي فهو ليس لأجل البقعة أو المكان بل لأجل المريض الذي يراد السفر لزيارته. .قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقال السبكي الكبير ليس في الأرض بقعه لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها غير البلاد الثلاثه ومرادى بالفضل ما شهد الشرع باعتباره ورتب عليه حكما شرعيا وأما غيرها من البلاد فلا تشد إليها لذاتها بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات قال وقد التبس ذلك على بعضهم فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثه داخل في المنع وهو خطا لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه فمعنى الحديث لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الامكنه لأجل ذلك المكان الا إلى الثلاثه المذكورة وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكان بل إلى من في ذلك المكان . انتهى

 فائدة:اختلف العلماء في حرف لا الوارد في الحديث هل هي لا الناهية أو لا النافية والصحيح أنها لا النافية قال الإمام ابن قدامة في المغني: وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد» فيحمل على نفي الفضيلة، لا على التحريم، وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر، ولا يضرّ انتفاؤها. المغني 2 : 103. والمراد بنفي الفضيلة هو أن المساجد الاَخرى متساوية في الفضل، فلا معنى لتفضيل بعضها على بعض . وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في آداب السفر في كتاب احياء علوم الدين: القسم الثاني أن يسافر لاَجل العبادة، إما لجهاد، أو حج.. ويدخل في جملته زيارة قبور الاَنبياء عليهم السلام وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والاَولياء، وكل من يُتبَرّك بمشاهدته في حياته يُتبرك بزيارته بعد وفاته. ويجوز شد الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله عليه السلام : «لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الاَقصى» لاَن ذلك في المساجد، فإنها متماثلة بعد هذه المساجد..انتهى

الاثنين، 3 نوفمبر 2014

تحذير الجهوية من مزالق الحلولية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه: إن المعتقدين لعقيدة الجهة يتفقون مع أهل السنة والجماعة على تأويل النصوص التي توهم حلول الله في الأرض وتوهم قربه الذاتي من المخلوقات واعتقاد أن الله يحل في الأرض بذاته وهذه العقيدة الفاسدة تسمى عقيدة الحلولية وقد فهموها من النصوص الشرعية بفهومهم الردية فمن هذه النصوص : ___________ يقول الله تعالى ((ما يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍإِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَمَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا)) فالثلاثة شيء مجتمع محسوس والله سبحانه هو الرابع معهم فالحلولية الكفار فهموا أن الله تعالى يحل بذاته في الأرض وأنه مع المخلوقات بذاته فيحمل على الحقيقة وهي المعية الحسية لأن الأصل في الكلام الحقيقة . ولهذا الفهم الباطل أجمع المسلمون على خروج الحلولية من الإسلام . أما أهل السنة وجميع المسلمون حتى الجهوية الذين يعتقدون أن الله سبحانه في جهة فجزموا أن تفسير الحلولية لهذه النصوص باطل . وقالوا الحق أن معناها أنه عليم بهم فهي معية علم وليس معناها أنه معهم بذاته . وأيضا قوله تعالى ((وهو معكم إذ تبيتون مالايرضى من القول)) ليست معية حسية كما فهم الحلولية بل معناها أنه يعلم بهم وقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} معناها بالتأييد والنصرة لهم وليس معناها أن حل معهم بذاته. وقوله تعالى {وناديناه من جانب الطور الأيمن} وقوله تعالى {فلما أتاها نُودِيَ من شَاطِئِ الوادِ الأَيْمَنِ في البُقعَةِ المُبَارَكِةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله ربُّ العالمين} معناها أن سيدنا موسى عليه السلام سمع النداء في ذلك المكان وليس معناها أن الله سبحانه حل في وادي طوى . وقوله سبحانه وتعالى "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}ق:16]، وقوله تبارك وتعالى: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاتُبْصِرُونَ" معناها قرب علمه وليس ذاته فالوريد العرق الذي هو مجرى الدم يجري فيه ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن والله أقرب من ذلك بعلمه ، لأن العرق تحجبه أجزاء اللحم ويخفى عنه ، وعلم الله تعالى لا يحجب عنه شيء. وإذا ثبت تنزيه الرب تعالى عن الحيز والجهة والقرب الحسي والبعد العرفي وجب تأويل ذلك على ما يليق بجلاله وهو قرب علمه ورحمته ولطفه ويؤيده قوله تعالى ((إن رحمت الله قريب من المحسنين)) أو قرب المنزلة عنده كما يقال السلطان قريب من فلان إذا كانت له عنده منزلة رفيعة. واستدل الحلولية بالأحاديث الدالة على ماذهبوا إليه من ضلالة فمنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"رواه مسلم وقوله صلى الله عليه وسلم "اربعوا على أنفسكم إنكم لاتدعون أصماًولاغائباً إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في المصلي "إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدميه" خرجه البخاري برقم (450) فكل هذه النصوص فهمها الحلولية فهما باطلا جعلهم يعتقدون بحلول الله سبحانه في الأماكن والجهات السفلية مع مخلوقاته. وكما أن هذه النصوص لايجوز أخذها على ظاهرها للأدلة النقلية والعقلية الدالة على استحالة ذلك لأن حلول الله تعالى في مخلوقاته نقص ينزه الله تعالى عنه. وهذه النصوص من المتشابه ولا يجوز الأخذ بالمتشابه في تقرير العقائد القطعية ،وقد تقررقطعاً أن الله تعالى منزه عن كل نقص ،وأن الله تعالى له الكمال المطلق ،وأنه لا يشبهه شيء من مخلوقاته كما قال تعالى ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )) وقال تعالى ((هل تعلم له سميا) أي يساميه في ذاته وصفاته وقال تعالى "ولم يكن له كفوا أحد" وإذاقيل بحلول الله تعالى في خلقه فهذا يعني أنه محدود والمحدود جسم له أبعاد بلا ريب،فهذا الفهم يؤدي إلى أن الخالق سبحانه وتعالى يشبه مخلوقاته ولو بوجه من الوجوه .!وهذا نقص عظيم ومناقض للنّصوص المبيّنة لكون الله تعالى ليس له ند ،ولا مثيل ،ولا سمي يساميه في ذاته وصفاته ،ولا كفأ له سبحانه جل شأنه. ونحن نعلم قطعاً أن الله تعالى موجود قبل خلق هذا العالم وأنه قديم أزلي وأن من أخص خصائصه أنه لايتغير ولايتبدل ،لأنه إما أن يتغير من نقص إلى كمال ،أو من كمال إلى نقص والنقص لايجوز على الله تعالى قطعاً وحلوله في مخلوقاته يدل على أنه يتغير سبحانه وتعالى عن ذلك والتغير حدوث والحادث مخلوق وليس بخالق. ثم إن تأويل هذه النصوص تأويلا صحيحا يليق بالله تعالى ممكن بلاريب فإذن لا يجوز التمسك بمعناها الظاهر،بل لها تأويل يليق بالله تعالى وهو سائغ في لغة العرب. ____ ____ فهو مع خلقه جميعا بعلمه بهم ،ومع المؤمنين بحفظه لهم ونصرته لهم وليس المقصود معية حسية. لأن الأدلةالقاطعة قد دلت أن الله موجود قبل كل شيء ولا يتغير ولا يتبدل ولا يشابه خلقه ولذافلا يتصف بالجسمية ولا يحصره شيء سبحانه وتعالى ولا يحويه مكان ولا غيره. ____ وكما أن الجهوية يجزمون بعدم جواز تفسير هذه النصوص على ظاهرها لما يؤدي إليه من بدعة وضلالة فكذلك يلزمهم أن ينتهوا عن تفسير النصوص الأخرى التي فهموا منها حلول الله في العرش وفي الجهة الحسية لما تؤدي إليه من بدعة وضلالة. فإن فهم النصوص فهمايناقض الأدلةالنقلية القطعية هو سبب للزيغ والضلال كما ضل الحلولية . وعليهم بالتوبة والرجوع إلى عقيدة أهل السنة التي عليها المسلمون على مر السنين السالفة.

السبت، 16 أغسطس 2014

مراتب الدين الثلاثة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه امابعد: نعتقد يقينا أنه بعد بعثة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فإن الإسلام هو الدِّين الوحيد الذي يقبله الله من العباد ولا يقبل من الناس دينا سواه ولذا قال الله تعالى﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اْلإِسْلاَمِ دِيْنًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ اْلخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85] . وقال الله تعالى ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيْ وَرَضِيْتُ لَكُمُ اَلإِسْلاْمَ دِيْناً﴾ [المائدة: 3] . و أركان الدِّين الاسلامي ثلاثة أركان كما في حديث سيدنا جبريل عليه السلام. أحدهما علم اعتقادي يعتقده العبد والآخران عمل يعمله العبد من أعمال القلوب والجوارح . وقد قامت مدراس أهل السنة والجماعة بهذه العلوم الثلاثة على أكمل وجه وكان لكل علم منها رجاله الذين تخصصوا في كتابته وتعليمه على مر السنين : الأول: ( الإيمان )، وهو يسمى العقيدة أو التوحيد أوالفقه الأكبر ونحوها . قال رسول الله عليه الصلاة والسلام الإيمان ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) رواه مسلم ولأهل السنة والجماعة مدرستين تخصصت في تعليم عقيدة أهل الحق وهي المدرسة الأشعرية نسبة للإمام أبي الحسن الأشعري والعقيدة الماتردية نسبة للإمام أبي منصور الماتريدي الحنفي رحمه الله . قال الإمام السّبكي رضي الله تعالى عنه:" وهؤلاء الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة وفضلاء الحنابلة _ ولله الحمد _ في العقائد يدٌ واحدة، كلّهم على رأي أهل السنّة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنّة أبي الحسن الأشعري رحمه الله، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفيّة والشّافعيّة لحقوا بأهل الاعتزال، ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم .. وبالجملة: عقيدة الأشعري: هي ما تضمّنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقّاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة ."اهـ[معيد النعم:62]. انتهى الثاني: ( الإسلام )، وهو المصطلح عليه باسم: الفقه. أو فقه الفروع ولأهل السنة فيه مدارس فقهية أربعة تسمى مذاهب أهل السنة الفقهية وهي مذهب الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة. وفيه يتعلم المسلم أحكامة الطهارة والصلاة والصيام والحج والزكاة وغيرها من الأعمال الظاهرة التي تتعلق بالجوارح .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) رواه مسلم الثالث: ( السعي للتحقق بمرتبة الإحسان )، وهو المصطلح عليه باسم: التصوف ولأهل السنة فيه طرق مشهورة منها الطريقة الشاذلية والقادرية والرفاعية والنقشبندية .قال رسول الله عليه الصلاة والسلام الإحسان ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . فالعقيدة هي الأساس الذي لا يمكن أن يتحقق غيره بدونه . وقد قام على أصول ستة وهي :الإيمان بالله ،وملائكته ،وكتبه ،ورسله ،واليوم الأخر ،والقدر خيره وشره.فالمؤمن يؤمن بكل ذلك والكافر لا يؤمن بكل ذلك أولا يؤمن ببعضه. قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: 136]. وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أصل الإيمان فقال: {أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه} [رواه مسلم]. إذن أصول العقيدة ستة تبحث عند أهل السنة في ثلاثة مباحث .مبحثان يمكن إثباتهما بالدليل الشرعي والعقلي .وهما : المبحث الأول :الإلهيات :وهو الكلام عن الله تعالى وصفاته وأفعاله جل جل جلاله ومنها الكلام عن مسألة القدر خيره وشره والكلام عن كتب الله تعالى .فندرج فيه ثلاثة أركان من أركان الإيمان الستة . المبحث الثاني: مبحث النبوات :وهو الكلام عن الأنبياء عليهم السلام وما يجب أن نثبته لهم وما يستحيل نسبته لهم وما يجوز عليهم .فهو كلام عن أصل واحد من أركان الإيمان الستة . المبحث الثالث :السمعيات:وهي التي تثبت فقط بالدليل الشرعي وهو الكلام عن الملائكة عليهم السلام واليوم الآخر وما فيه من مسائل غيبية والقبر وعذابه ونحو ذلك كما سيأتي بيانه.فهو كلام عن أصلين من أصول الإيمان الستة .

السبت، 31 أغسطس 2013

ترجمة سيدي الشيخ محمد الهاشمي رحمه الله تعالى

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: ترجمة سيدي الشيخ محمد الهاشمي التلمساني رحمه الله تعالى ولادته رحمه الله تعالى: ولد سماحة الأستاذ المرشد الكبير سيدي محمد بن الهاشمي قدس الله روحه من أبوين صالحين، كلاهما من آل بيت النبوة، يرجع نسبهما إِلى الحسن بن علي رضي الله عنهما، يوم السبت 22 شوال 1298هـ في مدينة سبدة التابعة لمدينة تلمسان، وهي من أشهر المدن الجزائرية. وكان والده من علمائها وقاضياً فيها، فلما توفي ترك أولاداً صغاراً، والشيخ أكبرهم سناً. بقي الشيخ مدة من الزمن ملازماً للعلماء، قد انتظم في سلكهم جاداً في الازدياد من العلم، ثم هاجر مع شيخه محمد بن يَلِّس إِلى بلاد الشام فاراً من ظلم الاستعمار الإِفرنسي، الذي منع الشعب الجزائري من حضور حلقات العلماء وتوجيههم. وكانت هجرتهما في 20 رمضان سنة 1329هـ عن طريق طنجة ومرسيليا، متوجهين إِلى بلاد الشام. فمكثا في دمشق أياماً قلائل، وعمِلَتْ الحكومة التركية آنذاك على تفريق جميع المغاربة الجزائريين، وكان نصيبه رحمه الله تعالى أن ذهب إِلى تركيا وأقام في أضنة، وبقي شيخه ابن يَلِّس في دمشق. وعاد بعد سنتين إِلى دمشق ؛ فالتقى بشيخه ابن يَلِّس وَصَحبه ولازَمه. وفي بلاد الشام تابع أخذ العلم عن أكابر علمائها. ومن أشهرهم المحدِّث الكبير بدر الدين الحَسَني، والشيخ أمين سويد، والشيخ جعفر الكتاني، والشيخ نجيب كيوان، والشيخ توفيق الأيوبي، والشيخ محمود العطار وأخذ عنه علم أُصول الفقه، والشيخ محمد بن يوسف المعروف بالكافي وأخذ عنه الفقه المالكي، وقد أجازه أشياخه بالعلوم العقلية والنقلية. أما من ناحية التصوف فقد أذن له شيخه محمدبن يَلِّس بالورد العام لما رأى من تفوقه على تلامذته، من حيث العلمُ والمعرفةُ والنصحُ لهم وخدمتُهم. ولما قدم المرشد الكبير أحمد بن مصطفى العلوي من الجزائر لأداء فريضة الحج ؛ نزل في دمشق بعد وفاة سيدي محمد بن يَلِّس سنة 1350هـ، وأذن له بالورد الخاص [تلقين الاسم الأعظم] والإِرشاد العام. أخلاقه وسيرته: كان رحمه الله تعالى متخلقاً بأخلاق النبي (صلى الله عليه وسلم)، متابعاً له في جميع أقواله وأحواله وأخلاقه وأفعاله، فقد نال الوراثة الكاملة عن الرسول (صلى الله عليه وسلم). وكان متواضعاً حتى اشتهر بذلك ولم يسبقه أحد من رجال عصره في تواضعه. وكان يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه. دخل عليه رجل فقبَّل يد الشيخ رحمه الله تعالى؛ وأراد الشيخ أن يقبل يده، فامتنع الرجل عن ذلك وقال: أستغفرُ الله يا سيدي أنا لست أهلاً لذلك، أنا أَقبل رجلكم. فقال الشيخ رحمه الله تعالى: إِذا قَبَّلت رِجْلَنَا فنحن نقبل رجلَكم. وكان يحب أن يخدم إِخوانه بنفسه، فيأتي الزائر، ويأتي التلميذ فيبيت عنده فيقدِّم له الطعام، ويحمل له الفراش مع ضعف جسمه. وكم جئناه في منتصف الليل، وطرقنا بابه، فيفتح الباب وهو بثيابه التي يقابل بها الناس، كأنه جندي مستعد. فما رأيناه في ثوب نوم أبداً. وكان حليماً لا يغضب إِلا لله. حَدَث أن جاءه رجل من دمشق إِلى بيته وأخذ يتهجم عليه، ويتهكم به، ويتكلم بكلمات يقشعر لها جلد المسلم ؛ ولكن الشيخ رضي الله عنه لم يزد على قوله له: الله يجزيك الخير، إِنك تُبين عيوبنا، وسوف نترك ذلك ونتحلى بالأخلاق الفاضلة. وما أن طال المقام بالرجل إِلا وأقبل على الشيخ، يقبل قدميه ويديه، ويطلب منه المعذرة. وكان كريماً لا يرد سائلاً. وكم رأينا أشخاصاً يأتون إِليه فيعطيهم ويكرمهم، ولاسيما في مواسم الخير ؛ حيث يأتي الناس لبيته، وترى موائد الطعام يأتيها الناس أفواجاً أفواجاً يأكلون منها، ولا تزال ابتسامته في وجهه، وقد بلغ من كرمه أنه بنى داره التي في حي المهاجرين بدمشق قسمين: قسم لأهله، وقسم لتلاميذه ومريديه. وكان من صفاته رضي الله عنه واسع الصدر وتحمل المشقة والتوجيه، وشدة الصبر مع بشاشة الوجه ؛ حتى إِني استغربت مرة صبره فقال لي: يا سيدي! مشربُنَا هذا جمالي. وكان يأتي إِليه الرجل العاصي فلا يرى إِلا البشاشة من وجهه وسعة الصدر، وكم تاب على يديه عصاة منحرفون، فانقلبوا بفضل صحبته مؤمنين عارفين بالله تعالى. حَدَث أنه كان سائراً في الطريق بعد انتهاء الدرس، فمر به سكران ؛ فما كان من الشيخ رحمه الله تعالى إِلا أن أزال الغبار عن وجهه، ودعا له ونصحه، وفي اليوم الثاني كان ذلك السكران أول رجل يحضر درس الشيخ، وتاب بعد ذلك وحسنتْ توبته. وكان رحمه الله تعالى يهتم بأحوال المسلمين ويتألم لما يصيبهم، وكان يحضر جمعية العلماء التي تقام في الجامع الأموي، يبحث في أمور المسلمين ويحذِّر من تفرقتهم، وقد طبع رسالة تبين سبب التفرقة وضررها، وفائدة الاجتماع على الله والاعتصام بحبل الله سماها: القول الفصل القويم في بيان المراد من وصية الحكيم. وكان رحمه الله تعالى يكره الاستعمار بكل أساليبه، ويبحث في توجيهه عن مدى صلة الحوادث مع الاستعمار وكيفية الخلاص من ذلك. ولما نَدبتْ الحكومة الشعب إِلى التدرُّب على الرماية، ونظَّمت المقاومة الشعبية، سارع الشيخ لتسجيل اسمه بالمقاومة الشعبية، فكان يتدرب على أنواع الأسلحة مع ضعف جسمه ونحوله وكبر سنه. وبهذا ضرب للشعب المثل الأعلى لقوة الإِيمان والعقيدة والجهاد في سبيل الله، وذكَّرنا بِمَنْ قبله من المرشدين الكُمَّل الذين جاهدوا الاستعمار وحاربوه ؛ أمثال عمر المختار والسنوسي وعبد القادر الجزائري. وما المجاهدون الذين قاموا في المغرب، لإِخراج الاستعمار وأذنابهم إِلا الصوفية. وكان رحمه الله تعالى حسن السيرة والمعاملة، مما جعل الناس، يُقبلون عليه ويأخذون عنه التصوف الحقيقي، حتى قيل: لم يشتهر الهاشمي بعلمه مع كونه عالماً، ولم يشتهر بكراماته مع أن له كرامات كثيرة، ولكنه اشتهر بأخلاقه، وتواضعه، ومعرفته بالله تعالى. وكان رحمه الله تعالى إِذا حضرْتَ مجلسه، شعرت كأنك في روضة من رياض الجنة ؛ لأن مجلسه ليس فيه ما يشوبه من المكدرات والمنكرات. فكان رحمه الله تعالى يتحاشى أن يُذكر في حضرته رجل من المسلمين وينقص. ولا يحب أن يذكر في مجلسه الفساق وغيرهم، ويقول: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. وبقي رحمه الله تعالى دائباً في جهاده مستقيماً في توجيهه للمسلمين وإِخراجهم مما وقعوا فيه من الضلال والزيغ. فقد كانت حلقاته العلمية متوالية من الصباح حتى المساء ؛ ولاسيما علم التوحيد الذي هو من أُصول الدين، فيبيِّنَ العقائد الفاسدة والإِلحادية، مع بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والرجوع إِلى الله تعالى؛ والتعلق به دون سواه

سيدي الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي رحمه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه: هو الشيخ المربى الحجة المعتمد على الله , الناسك القدوة أبو العباس سيدي أحمد بن مصطفي بن محمد أحمد المعروف بالقاضى بن محمد , ولد بمدينة مستغانم بإقليم الجزائر , وأبوه هو الوالي الصالح الملقب بمدبوغ الجبهة بن الحاج على المعروف عند العامة بعليوة , ولهذا كانت تسميته ابن عليوة وجده غانم القادم من الجزائر العاصمة إلى حاضرة مستغانم بقصد السكنى بها ولا زال ما بقى من نسلهم معروفاً إلى الأن , وبيتهم بيت علم وصلاحٍ مشهور بالتقوى والرشاد. نشأ رضي الله عنه في طاعة الله وعبادته , وكان شغوفاً بالبحث عن أهل الطرق , ولقد انتسب بدايًة للطريقة العيساوية , اجتهد فيها أياماً عديدة مما زاده رغبةً واجتهاداً في طلبه , إلى أن حصل مقصده بلقائه بالشيخ الكامل الجامع الواصل سيدي الشيخ محمد بن الحبيب البوزيدى رضي الله عنه فأخذ عنه الطريقة الدرقاوية وهو أخذها عن سيدي محمد بن قدور الوكيلى , المقيم بجبل كركر قرب عين زوره بالمغرب , وهو أخذها عن سيدي أبى عزة المهاجى عن كبير هذه الطائفة المشهور سيدنا ومولانا محمد العربي الدرقاوى رضي الله عنه , أخذ سيدي العلاوى الطريقة الدرقاوية عن شيخه البوزيدى رضي الله تعالى عنهم أجمعين ولازمة وتبعه وتفانى في تحقيق اشارته , إلى أن أطلعة على ما عنده واجتباه من سائر أصحابه , وصدره في حياته , وأشاع ذكره بين أحبابه , فظهر منه ما ظهر , من غوصه فى بحر الحقائق واخراجه الأسرار الغربية , وكشفه عن الدقائق , وفاق في طلب العلم , فحصل على الفائدة من الكتاب والسنة , وألف المؤلفات الكثيرة , وسلك فيها مسلكاً عجيباً فريداً , كان جميل العبارة , وأحتوى على بديع الإشارة , وخلف شيخه داعياً إلى الطريق لا يكل , ومنادياً إلى الحقيقة لا يمل , فشاع ذكره فى المشارق والمغارب , وعمت دعوته كل الجوانب , اذ كانت دعامات طريقة الكتاب والسنة كما هو ديدن السادة الشاذلية , وتطبيق أحكامها على الظاهر والباطن , فجاءت مطابقة ً لروح العصر , مما حقق لها النصر , وكثر أتباعها فى كل مكان . قرض الشعر رضي الله عنه , على غير استعدادٍ لصناعته , فنظم أرجازاً بديعة المعنى , جميلة المبنى , دلت على قوة معرفته , وصدق دعوته . ظل رضي الله عنه , رافعاً راية الجهاد , لرفع راية التوحيد , فى ظل أقسى الظروف المادية آنذاك , ألا وهو الحُكم الفرنسي في الجزائر , إلى أن ثبت للإسلام دعائم قويةً راسخهً , ورسم لأتباعه طريقاً نيرة ً واضحة , لا زالت تعج بالسائرين إلى الله ،زادهم الله من فضله وثبتهم على الحق إلى يوم لقاه. لقي رضي الله عنه ربه جل جلاله فى يوم الثاني من شهر ربيع الثاني سنة 1353 هجرية , فجزاه الله عن الأمة الاسلامية خير الجزاء .

ترجمة الامام الشاذلي رحمه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه: الامام الشاذلي :هو السيد الأجل الكبير ، العارف الوارث المحقق ،الحامل في زمانه لواء العارفين ، منشيء معالم الطريقة ، ومظهر أسرارها ، ومبدي علوم الحقيقة بعد خفاء أنوارها ، ومظهر عوارف المعارف بعد خفائها واستتارها ، الدال على الله وعلى سبيل جنته ، والداعي على علم وبصيرة إلى جنابه وحضرته ، أوحد أهل زمانه علماً وحالاً ، ومعرفة ومقالاً ، الشريف الحسيب النسيب ، ، إمام السالكين ، الذي تغنيك سمعته عن مدح أو قول منتحل ، الأستاذ المربي الكامل أبو الحسن الشاذلي . قال الامام الحافظ السيوطي (911هـ.)رحمه الله في حسن المحاضرة عند ذكر من كان بمصر من الصلحاء والزهاد والصوفية ما نصه: الشيخ أبو الحسن الشاذلي شيخ الطائفة الشاذلية هو الشريف تقي الدين علي بن عبد الله عبد الجبار، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيدما رأيت أعرف بالله من الشاذلي.اهـ. أما نسبه ، فهو الأستاذ الشريف السيد الحسيب النسيب إلى الحبيب ، سيدي أبو الحسن الشاذلي الحسني بن عبد الله ، بن عبد الجبار ، ابن تميم ، بن هرمز ، بن حاتم ، بن قصي ، بن يوسف ، بن يوشع ، بن ورد ابن أبي بطال ، علي بن أحمد ، بن محمد ، بن عيسى ، بن إدريس ، بن عمر ، ابن إدريس ، المبايع له ببلاد المغرب ، ابن عبد الله بن الحسن المثنى ، ابن سيد شباب أهل الجنة وسبط خير البرية ، أبي علي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهذا هو النسب الصحيح لسيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه صاحب الطريق ، ومظهر لواء التحقيق . وأما حليته رضي الله عنه ، فقال الشيخ الولي محمد بن القاسم الحميري ، عرف بابن الصباغ ، صاحب درة الأسرار : سمعت الشيخ أبا العزائم ماضي يقول : كانت صفته آدم اللون ، نحيف الجسم ، طويل القامة ، خفيف العارضين ، طويل أصابع اليدين ، كأنه حجازي : وكان فصيح اللسان عذب الكلام . وأما موضع مولده رضي الله عنه ، فإنه ولد بقرية غمارة من أفريقية قريبة من سبتة ، وهي من المغرب الأقصى . ولد في نحو ثلاث وتسعين وخمسمائة من الهجرة . وأما سلسلته ، فإنه رضي الله عنه وارث من الشيخين الإمامين الملكين أبي عبد الله محمد بن الشيخ أبي الحسن علي المعروف بابن حرازم ومن أبي عبد الله عبد السلام بن مشيش . أما أبو عبد الله السيد عبد السلام بن بشيش أو مشيش وكلاهما صحيح وهو أجل مشايخ الشيخ أبي الحسن الشاذلي وعلى يديه كان فتحه وإليه كان ينتسب إذا سئل عن شيخه ، وهو سيدي عبد السلام بن بشيش ، واشتهر في الغرب بمشيش ، فقد قال الشيخ محيي الدين عبد القادر بن الحسني بن علي الشاذلي في كتابه [ الكواكب الزاهرة في اجتماع الأولياء بسيد الدنيا والآخرة ] ابن بشيش بالباء الموحدة ابن منصور بن إبراهيم الحسني ثم الإدريسي ، من ولد إدريس بن عبد الله بن حسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ، ومقامه بالمغرب كالشافعي بمصر ، وهو أخذ عن القطب الشريف السيد عبد الرحمن الحسني المدني العطار الزيات ، ثم ذكر سنده إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. المصدر: من كتاب المفاخر العلية في المآثر الشاذلية للشيخ أحمد بن عياد الشافعي - ص 6 - 14

الأحد، 31 مارس 2013

صلاة الأوابين بين المغرب والعشاء


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه :
صلاة الأوابين تطلق على وقتين :
الأول :صلاة الضحى .
والثاني :ما بعد السنة الراتبة من صلاة المغرب .
وصلاة الضحى أقلها ركعتان واختلف العلماء في اكثرها فقيل ثنتى عشرة ركعة وقيل ثمان ركعات .فيصلي المسلم ثمان ركعات .
ويستحب للمسلم أن يصلي بعد السنة الراتبة لصلاة المغرب صلاة الأوابين . فقد روى الامام أحمد (22926) عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ : (جِئْتُ النبي صلى الله عليه وسلم فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ يُصَلِّي ، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ)

وكذلك ثبت عن كثير من  الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء .



فقد روى الامام أبو داود (1321) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه فِي هَذِهِ الْآيَةِ : (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) قَالَ : كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ [وفي رواية: يَتَنَفَّلُونَ] مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ . وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : قِيَامُ اللَّيْلِ .
وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيره عَنْ أَنَس رضي الله عنه فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ : يُصَلُّونَ مَا بَيْن الْمَغْرِب وَالْعِشَاء . قَالَ الْعِرَاقِيّ : وَإِسْنَاده جَيِّد . كما في شرحه على جامع الترمذي .

وهو فعل الأمة سلفها وخلفها

قال الشوكاني "نيل الأوطار" (3/68) : "والآيات والأحاديث المذكورة في الباب تدل على مشروعية الاستكثار من الصلاة ما بين المغرب والعشاء , والأحاديث وإن كان أكثرها ضعيفا فهي منتهضة بمجموعها ، لا سيما في فضائل الأعمال , قال العراقي : وممن كان يصلي ما بين المغرب والعشاء من الصحابة : عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وسلمان الفارسي وابن عمر وأنس بن مالك في ناس من الأنصار ، ومن التابعين : الأسود بن يزيد وأبو عثمان النهدي وابن أبي مليكة وسعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر وأبو حاتم وعبد الله بن سخبرة وعلي بن الحسين وأبو عبد الرحمن الحبلي وشريح القاضي وعبد الله بن مغفل وغيرهم . ومن الأئمة : سفيان الثوري" انتهى .


وعلى هذا ؛ فتستحب الصلاة ما بين صلاتي المغرب والعشاء

وعن ابن عباس قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : " من أحيا ما بين الظهر والعصر وما بين المغرب والعشاء غفر له وشفع له ملكان " .

رواه أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن حيان في كتاب " ثواب الأعمال الزكية " .
قال الإمام الذهبي في السير (16/178) : وَقَالَ أَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيُّ : ... وَعرضَ كِتَابُهُ " ثوَابُ الأَعمَالِ عَلَى الطَّبَرَانِيِّ ، فَاسْتحْسَنَهُ . وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَا عملتُ فِيْهِ حَدِيْثاً إِلاَّ بَعْدَ أَن اسْتَعْمَلْتُهُ ... وَلَهُ كِتَابُ " ثوَابِ الأَعمَالِ " فِي خَمْسِ مُجَلَّدَاتٍ .ا.هـ.
وقد  ورد في فضل صلاة ست ركعات بعد المغرب عن محمد بن عمار بن ياسر قال : رأيت عمار بن ياسر يصلي بعد المغرب ست ركعات ، وقال : رأيت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعد المغرب ست ركعات وقال : من صلى بعد المغرب ست ركعات ؛ غفرت له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر . قال الهيثمي في المجمع (2/229) : رواه الطبراني في الثلاثة وقال : تفرد به صالح بن قطن البخاري ، قلت : ولم أجد من ترجمه.ا.هـ.
وورد ما رواه الترمذي (435) وابن ماجه (1167) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً) .قال الترمذي رحمه الله : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَثْعَمٍ ، وسَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ [البخاري] يَقُولُ : عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي خَثْعَمٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ جِدًّا.   والحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال باتفاق العلماء رحمهم الله تعالى ولذلك نص جمهور الفقهاء على ذلك في كتب الفقه .   كما حث عليه العلماء في كتب الترغيب والترهيب كالامام المنذري وغيره .   وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

الخوارج

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه .

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى اللهخ عليه وسلم .

إن المتأمل في زماننا هذا يرى الفتن تموج موجاً ويرى فرق منحرفة عن الحق ولا بيان لشرها أعظم من القرآن الكريم والسنة المشرفة وأخطر هذه الفرق الاسلامية فرقة الخوارج وفرقة الروافض .ولاشك أنهما من أشد الناس بلاء على المسلمين وسنتكلم اليوم عن أول فرقة ضالة في تاريخ المسلمين وهي الفرقة التي تواترت النصوص بالتحذير منها ألا وهي فرقة  الخوارج التي يستمر شرها وخروجها إلى آخر الزمان فتقاتل مع المسيح الدجال ضد المسلمين .وسيكون  هناك  مقالاً آخر إن شاء الله تعالى عن الروافض،حتى يعلم أهل السنة خطر هذه الفرق وكيفية التعامل معها .

فما معنى الخوارج ؟

الخارجي :هو من يقاتل المسلمين وهو يعتقد كفرهم .

ولذلك يغلط من يحصر معنى الخارجي فقط فيمن يعترض على الحكام ،بل الخارجي هو من يكفر المسلمين ثم يستبيح دماءهم ولو لم يكن هناك أي حكام .

وهذا بخلاف القتال بين بعض المسلمين اما لنزعة قبلية أو عرقية أو لشيء من الدنيا ولكن لا يعتقد أحد منهم كفر الفريق الآخر .وهذا وإن كان فعلاً محرماً ولكنه لا يندرج تحت حكم الخوارج التكفريين.

وقد اعتنى أغلب المستشرقين بنظريات الخوارج ووضعوهم موضع التمجيد ورفعوا من شأنهم وذلك لأنهم علموا دور هؤلاء الخوارج في تمزيق وحدة المسلمين فمثلاً فلهوزن قال (كانوا حزبًا ثوريًا صريحًا كما يدل على ذلك اسمهم أجل كانوا حزبًا ثوريًا يعتصم بالتقوى، لم ينشأوا عن عصبية العروبة بل عن الإسلام) أي أنهم خوارج ثاروا على أمير المؤمنين سيدنا علي رضي الله عنه )

هذا التمجيد للخوارج له أهدافهم التي تخدم مصالح المستشرقين لكن نحن كمسلمين لا يمكن أن نقبل به لأنه مخالف للأحاديث الكثيرة التي صحت بذم الخوارج والتحذير منهم ولذا فقد كان من السياسة المنحرفة أن لا تسمى هذه الفرقة في عصرنا بمسى الخوارج بل تسمى باسم يقبله الناس .

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : الخوارج قوم سوء، لا أعلم في الأرض قوما أشر منهم..وقال الإمام الآجريّ-رحمه الله- ( لم يختلف العلماء قديماً وحديثاً أنَّ الخوارج قوم سوء ، عصاة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن صلوا وصاموا ، واجتهدوا في العبادة .انتهى

والأحاديث في ذم الخوارج والتحذير منهم متواترة كما ذكر علماء الحديث.

وقد بدأت هذه الفرقة الظهور منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم وسوف تستمر حتى يناصرون الدجال في آخر الزمان كما ستسمعون في الآحاديث الصحيحة.

أول بذرة للخوارج:

الحديث الأول:ما في الصحيحين أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلىالله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: اعدل،فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟" .. فقال عمر: يارسول الله ائذن لي فيه، فأضرب عنقه

فقال: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته معصلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كمايمرق السهم من الرمية، ...آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثلالبضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس، قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذاالحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه،فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلمالذي نعته"



الخوارج يظهرون في آخر الزمان

عن شريك بن شهاب قال كنت أتمنى أن ألقى رجلا منأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أسأله عن الخوارج فلقيت أبا برزة في يوم عيد في نفرمن أصحابه فقلت له هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الخوارج فقال ..

نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني ورأيته بعيني أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ..

فقام رجل من ورائه فقال يا محمد (( ما عدلت في القسمة )) رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال ((والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني ))

ثم قال (( يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذامنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة )) أخرجه النسائي رقم الحديث : 4103 ،،، الجزء : 7 ،،،، الصفحة : 119 ... والبزار.



وعن معبد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يخرج ناس من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه قيل ما سيماهم ؟ قال : سيماهم التحليق أو قال التسبيد )) [ البخاري برقم (7562) ، وهذا لفظه ، وأحمد في المسند (3/64) ، وأبو يعلى (2/408) ، وسعيد بن منصور في السنن (2/324) .



عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (( سيكون في أمتي اختلاف و فرقة قوم يحسنون القيل و يسيئون الفعل و يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم و صيامه مع صيامهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية لا يرجع حتى يرد السهم على فوقه و هم شرار الخلق و الخليقة طوبى لمن قتلهم و قتلوه يدعون إلى كتاب الله و ليسوا منه في شيء من قاتلهم كان أولى بالله منهم . قالوا : يا رسول الله ما سيماهم ؟ قال : التحليق.


الخوارج يقاتلون أهل الاسلام

وجاء في صحيح البخاري هذا الحديث الطويل (بعث عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى النبيِّ صلَّىاللهُ عليهِ وسلَّمَ بذُهَبِيَّةٍ ، فقسَّمَهَا بين الأربعةِ : الأقرعِ بنِ حابسٍالحنظليِّ ثم المجاشعيِّ ، وعيينةَ بنِ بدرٍ الفَزَاريِّ ، وزيدٍ الطائيِّ ثم أحدِبني نبهانَ ، وعلقمةَ بنِ علاثةَ العامريِّ ، ثم أحدِ بني كلابٍ ، فغضبت قريشٌ والأنصارُ ، قالوا : يُعطي صناديدَ أهلِ نجدٍ ويَدَعُنَا ، قال : ( إنماأَتَأَلَّفُهُمْ ) . فأقبلَ رجلٌ غائرُ العينينِ مشرفُ الوَجنتينِ ، ناتئُ الجبينِ، كثُّ اللحيةِ محلوقٌ ، فقال : اتَّقِ اللهَ يا محمدُ ، فقال : ( من يُطِعِ اللهَ إذا عصيتُ ؟ أَيَأْمَنُنِي اللهُ على أهلِ الأرضِ فلا تأمنونني ) . فسأل رجلٌ قَتْلَهُ ... فمنعَهُ ، فلما وَلَّى قال : ( إنَّ من ضِئْضِئِ هذا ، أو : في عقبِ هذا قومٌ يقرؤونَ القرآنَ لا يُجاوزُ حناجرهم ،يمرقونَ من الدِّينِ مروقَ السهمِ من الرَّمِيَّةِ ، يقتلونَ أهلَ الإسلامِ ويدعونَ أهلَ الأوثانِ ،لئن أنا أدركتهم لأَقْتُلَنَّهُمْ قتلَ عاد.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا إن الفتنة هاهنا يشير إلى المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان»وفي رواية قال وهو مستقبل المشرق « ها ، إن الفتنة هاهنا - ثلاثا- وذكره))

وفي أخرى أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم وهومستقبل المشرق - يقول : « ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان ». أخرجه البخاري ومسلم.



وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرن الشيطان في ربيعة ومضر))متفق عليه



وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا ، قالوا : وفي نجدنا ، قال : اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا ، قالوا : يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال الثالثة : هناك الزلازل والفتن ، وبها يطلع قرن الشيطان . رواه البخاري والترمذي وأحمد .

وفي مصنف ابن ابي شيبة في آخر الكتاب الأحاديث والآثار التالية:

37892 - حدثنا قطن بن عبد الله أبو مرى عن أبي غالب قال كنت في مسجد دمشق فجاوا بسبعين رأسا من رؤوس الحرورية فنصبت على درج المسجد فجاء أبو أمامة فنظر إليهم فقال كلاب جهنم شر قتلى قتلوا تحت ظل السماء ومن قتلوا خير قتلى تحت السماء وبكى فنظر إلي وقال يا أبا غالب انك من بلد هؤلاء قلت نعم قال أعاذك قال أظنه قال الله منهم قال تقرأ آل عمران قلت نعم قال منهن آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم قال يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم اكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون قلت يا أبا أمامة إني رأيتك تهريق عبرتك قال نعم رحمة لهم إنهم كانوا من أهل الإسلام قال افترقت بنو إسرائيل على واحدة وسبعين فرقة وتزيد هذه الأمة فرقة واحدة كلها في النار إلا السواد الأعظم عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ السمع والطاعة خير من الفرقة والمعصية فقال له رجل يا أبا أمامة أمن رأيك تقول أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إني إذا لجريء قال بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم غير مرة ولا مرتين حتى ذكر سبعا

37893 - حدثنا يزيد بن هارون الواسطي قال حدثنا سليمان التيمي عن أبي مجلز قال نهى علي أصحابه أن يسطوا على الخوارج حتى يحدثوا حدثا فمروا بعبد الله بن خباب فأخذوه فمر بعضهم على تمرة ساقطة من نخلة فأخذها فألقاها في فيه فقال بعضهم تمرة معاهد فبم استحللتها فألقاها من فيه ثم مروا على خنزير فنفخه بعضهم بسيفه فقال بعضهم خنزير معاهد فبم استحللته فقال عبد الله ألا أدلكم على ما هو أعظم عليكم حرمة من هذا قالوا نعم قال أنا فقدموه فضربوا عنقه



الخوارج يستمر ظهورهم حتى يقاتلوا في جيش الدجال

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذامنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز

تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة )) أخرجه النسائي والبزار.

قال عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول « يخرج قوم من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما قطع قرن نشأ قرن حتى يخرج فى بقيتهم الدجال ». رواه البخاري وأحمد في المسند



الخوارج شرار الخلق وهم كلاب النار

جاءفي مصنف ابن ابي شيبة في آخر الكتاب حديث صحيح جاء من طرق وهو في المصنف برقم:

37884 - حدثنا إسحاق الأزرق عن الأعمش عن بن أبي أوفى قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "الخوارج كلاب النار"

وفي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليهوسلم قال"سيكون في أمتي اختلاف وفرقة ،قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل ،يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم،يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ،لا يرجعون حتى يرتد على فوقه هم شر الخلق والخليقة ،طوبى لمن قتلهم وقتلوه ،يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء من قاتلهم كان أولى بالله منهم قالوا يا رسول الله ما سيماهم قال التحليق"

وقال سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما :انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين.

وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

الجمعة، 12 أغسطس 2011

الحكم العطائية

متــن الحكـم العطائيـة
الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

قال سيدناالإمام المحقق أبو الفضل تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى:
1- من علامة الاعتماد على العمل، نقصان الرجاء عند نزول الزلل.
2- إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، و إرادتك الأسباب مع إقامة الله في التجريد انحطاط عن الهمة العليــة.

3- سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار.
4- أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك لا تقم به لنفسك.
5- اجتهادك فيما ضمن لك و تقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك.
6- لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة، فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، و في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد.

7- لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود، و إن تعين زمنه، لئلا يكون ذلك قدحا في بصيرتك و إخمادا لنور سريرتك.
8- إذا فتح لك وجها من التعرف فلا تبال معها إن قل عملك، فإنه ما فتحها عليك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، و الأعمال أنت تهديها إليه، و أين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك.
9- تنوعت أجناس الأعمال لتنوع واردات الأحوال، و الأعمال صور قائمة، و أرواحها وجود الإخلاص فيها.
10- ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه.
11- ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة.

12- كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل إلى الله و هو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله و لم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار و هو لم يتب من هفواته.
13- الكون كله ظلمة، و إنما أناره وجود الحق فيه، فمن رأى الكون و لم يشهده فيه، أو عنده، أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار، و حجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار .

14- مما يدلك على وجود قهره سبحانه، أن حجبك عنه بما ليس بموجب معه، كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي أظهر كل شيء، كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي ظهر بكل شيء، كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي ظهر في كل شيء، كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الذي ظهر لكل شيء، كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو الظاهر قبل كل شيء، كيف يتصور أن يحجبه شيء و هو أظهر من كل شيء، كيف يتصور أن يحجبه شيء و لولاه ما كان وجود كل شي.. يا عجبا كيف يظهر الوجود في العدم، أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف في القدم.
15- ما ترك من الجهل شيء، من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه.
16- إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس.

17- لا تطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو أراد لاستعملك بغير إخراج.
18- ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها، إلا و نادته هواتف الحقيقة الذي تطلب أمامك، و لا تبرجت ظواهر المكونات إلا و نادتك حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر.
19- طلبك له اتهام له، و طلبك منه غيبة منك عنه، و طلبك لغيره لقلة حيائك منه، و طلبك من غيره لوجود بعدك عنه.
20- ما من نفس تبديه إلا و له قدر فيك يمضيه.

21- لا تترقب فروغ الأغيار، فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له فيما هو مقيمك فيه.
22- لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار، فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها و واجب نعتها.
23- ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، و لا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك.
24- من علامات النجاح في النهايات، الرجوع إليه في البدايات.
25- من أشرقت بدايته أشرقت نهايته.

26- ما استودع في غيب السرائر، ظهر على شهادة الظواهر.
27- شتان بين ما يستدل به و ما يستدل عليه، و المستدل به عرف الحق لأهله فأثبت الأمر من وجود أصله، و الاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، و إلا فمتى غاب حتى يستدل عليه، و متى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه.

28- لينفق ذو سعة من سعته،( الواصلون إليه)، و من قدر عليه رزقه، (السائرون إليه).
29- اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه، و الواصلون لهم أنوار المواجهة، فالأولون للأنوار، و هؤلاء الأنوار لهم، لأنهم لله ، لا لشيء دونه، قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون.

30- تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب.
31- الحق ليس محجوب، و إنما المحجوب أنت عن النظر إليه، إذ لو حجبه شيء لستره، ما حجبه، و لو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، و كل حاصر لشيء فهو له قاهر.. و هو القاهر فوق عباده.
32- اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك، لتكون لنداء الحق مجيبا، و من حضرته قريبا.

33- أصل كل معصية و غفلة الرضا عن النفس، و أصل كل طاعة و يقظة و عفة عدم الرضى منك عنها.
34- و لأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه، فأي علم لعالم يرضى عن نفسه، و أي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه.
35- شعاع البصيرة يشهدك قربه منك، و عين البصيرة تشهدك عدمك لوجوده، و حق البصيرة يشهدك وجوده، لا عدمك و لا وجودك.

36- كان الله و لا شيء معه، و هو الآن على ما عليه كان.
37- لا تتعد نية همتك إلى غيره، فالكريم لا تتخطاه الآمال، و لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعا، من كان لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يكون لها عن غيره رافعا.
38- إن لم تحسن ظنك به لأجل حسن وصفه، فحسن ظنك به لحسن معاملته معك، فهل عودك إلا إحسانا، و هل أسدى إليك إلا مننا.

39- العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه، و يطلب ما لا بقاء معه، ( فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور ).
40- لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير و المكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه، و لكن ارحل من الأكوان إلى المكون، و أن إلى ربك المنتهى، و انظر إلى قوله صلى الله عليه و سلم فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله، و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ، و افهم قوله صلى الله عليه و سلم، و تأمل هذا الأمر إن كنت ذا فهم.
41- لا تصحب من لا ينهضك حاله، و لا يدلك على الله مقاله، ربما كنت مسيئا فأراك الإحسان منك صحبتك إلى من هو أسوأ حالا منك.

42- ما قل عمل برز من قلب زاهد، و لا كثر عمل برز من قلب راغب.
43- حسن الأعمال نتائج الأحوال، و حسن الأحوال من التحق في مقامات الإنزال.
44- لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك من وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، و من ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، و من ذكر مع وجود حظور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور، و ما ذلك على الله بعزيز.
45- من علامات موت القلب، عدم الحزن على ما فاتك من الموبقات، و ترك الندم على ما فعلته من الزلات.
46- لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله، فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه.
47- لا صغيرة إذا قابلك عدله، و لا كبيرة إذا قابلك فضله.

48- لا عمل أرجى للقلوب من عمل يغيب عنك شهوده و يحتقر عندك وجوده.
49- إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا، و أورد عليك الوارد ليستسلمك من يد الأغيار و ليحررك من رق الآثار.
50- أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك.
51- الأنوار مطايا القلوب، و الأسرار و النور جند القلب، كما أن الظلمة جند النفس، فإذا أراد أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار و قطع عنه مدد الظلم و الأغيار.
52- النور له الكشف، و البصيرة لها الحكم، و القلب له الإقبال و الإدبار.
53- لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك، و افرح بها لأنها برزت من الله إليك، قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون.

54- قطع السائرين إليه و الواصلين إليه عن رؤية أعمالهم و شهود أحوالهم، أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها، و أما الواصلون فلأنه غيبهم بشهوده عنها.
55- ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع.
56- ما قادك شيء مثل الوهم.
57- أنت حر مما أنت عنه آيس، و عبد لما انت له طامع.
58- من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان.

59- من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها و من شكرها فقد قيدها بعقالها.
60- خف من وجود إحسانه إليك و دوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجا لك، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون.
61- من جهل المريد أن يسيء الأدب فتتأخر العقوبة عنه، فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد و أوجب الإبعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، و لو لم يكن إلا منع المزيد، و قد يقام مقام البعد و هو لا يدري، و لو لم يكن إلا أن يخليك و ما تريد.

62- إذا رأيت عبدا أقامه الله بوجود الأوراد، و أدامه عليها مع طول الإمداد، فلا تستحقرن ما منحه مولاه، لأنك لم تر عليه سيما العارفين و لا بهجة المحبين، فلولا وارد ما كان ورد.
63- قوم أقامهم الحق لخدمته، و قوم اختصهم بمحبته، كلا نمد، هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك، و ما كان عطاء ربك محظورا.
64- قلما تكون الواردات الإلهية إلا بغتة لئلا يديها العباد بوجود الاستعداد.

65- من رأيته مجيبا عن كل ما سئل، و معبرا عن كل ما شهد، و ذاكرا كل ما علم، فاستدل بذلك على وجود جهله.
66- إنما جعل الدار الآخرة محلا لجزاء عباده المؤمنين، لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، و لأنه أجلّ أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها.
67- من وجد ثمرة عملها عاجلا فهو دليل على وجود القبول آجلا.
68- إذا أردت أن تعرف قدرك عنده فانظر في ماذا يقيمك.
69- متى رزقك الطاعة و الغنى به عنها، فاعلم أنه قد أسبغ عليك نعمه ظاهرة و باطنة، و خير ما تطلب منه ، ما هو طالبه منك.
70- الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامات الاغترار.


71- ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده، و انطوائه في شهوده.
72- الرجاء ما قارنه عمل، و إلا فهو أمنية.
73- مطلب العارفين من الله تعالى الصدق في العبودية، و القيام بحقوق الربوبية.
74- بسطك كي لا يقيمك في القبض، و قبضك كي لا يقيمك في البسط، و أخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه.
75- العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا، و لا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل.
76- البسط تأخد النفس منه حظها و القبض لا حظ للنفس فيه.

77- ربما أعطاك فمنعك، و ربما منعك فأعطاك، و متى فتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء.
78- الأكوان ظاهرها غرة، و باطنها عبرة، فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها، و القلب ينظر إلى باطن عبرتها.
79- إن أردت أن يكون لك عزا لا يفنى، فلا تستعزن بعز يفنى.
80- الطي الحقيقي أن تطوى مسافة الدنيا عنك حتى ترى الآخرة أقرب إليك منك.
81- العطاء من الخلق حرمان و المنع من الله إحسان.

82- جل ربنا أن يعامله العبد نقدا فيجازيه نسيئة، كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلا، و كفى العاملين جزاء ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته، و ما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته.
83- من عبده لشيء يرجوه منه، أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه، فما قام بحق أوصافه، متى أعطاك أشهدك بره، و متى منعك أشهدك قهره، فهو في كل ذلك متعرّف إليك، و مقبل بوجود لطفه عليك، إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه.

84- ربما فتح لك باب الطاعة و ما يفتح لك باب القبول، و ربما قضى عليك الذنب فكان سببا في الوصول، فمعصية أورثت ذلا و افتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا.
85- نعمتان ما خرج موجود منهما، و لا بد لكل مكون منهما نعمة الإيجاد و نعمة الإمداد، أنعم عليك أولا بالإيجاد، و ثانيا بتوالي الإمداد، ففاقتك لك ذاتية، و ورود الأسباب مذكرات لك بما خفي عليك منها، و الفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض، فخير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك، و ترد فيه إلى وجود ذاتك.
86- متى أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به، و متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك، و العارف لا يزول اضطراره و لا يكون مع غير الله قراره.

87- أنار الظواهر بأنوار آثاره، و أنار السرائر بأنوار أوصافه، لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر و لم تأفل أنوار السرائر، و لذلك قيل
إن شمــس النهــار تغــرب بليــــــل و شمــس القلـوب ليسـت تغيــب
88- ليخفف ألم البلاء عليك أنه تعالى هو المبتلي لك، فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الاختيار، و من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره.
89- لا يخاف عليك أن تلبس الطريق عليك، و إنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك.
90- سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور البشرية، و ظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية.
91- لا تطالب ربك بتأخر مطلبك، و لكن طالب نفسك بتأخر أدبك.

92- متى جعلك في الظاهر ممتثلا لأمره، و رزقك في الباطن الاستسلام لقهره، فقد أعظم المنة عليك.
93- ليس كل من ثبت تخصيصة كمل تخليصه ، لا يستحقر الورد إلا جهول، الوارد يوجد في الدار الآخرة، و الورد ينطوي بانطواء هذه الدار، و أولى ما يعتنى به ما لا يخلف وجوده، و الورد هو طالبه منك، و الوارد أنت تطلبه منه، و أين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه،
94- ورود الإمداد بحسب الاستعداد، و شروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار.
95- الغافل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل، و العاقل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل الله به.

96- إنما يستوحش العباد و الزهاد من كل شيء لغيبتهم عن الله في كل شيء، فلو شهدوه في كل شيء لم يستوحشوا من شيء.
97- أمرك في هذه الدار بالنظر إلى مكوناته، و سيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته.
98- علم منك أنك لا تصبر عنه فأشهدك ما برز منه، لما علم الحق منك وجود الملل لون لك الطاعات، و علم ما فيك من وجود الشره حجرها عليك في بعض الأوقات، ليكون همك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة، فما كل مصل مقيم.
99- الصلاة طهرة للقلوب من أدناس الذنوب، و استفتاح لباب الغيوب.

100- الصلاة محل المناجاة، و معدن المصفاة، تتسع فيها ميادين الأسرار، و تشرق فيها شوارق الأنوار، علم وجود الضعف منك فقلل أعدادها، و علم احتياجك إلى فضله فكثر إمدادها.
101- متى طلبت عوضا عن عمل طولبت بوجود الصدق فيه، و يكفي المريب وجود السلامة.
102- لا تطلب عوضا عن عمل لست له فاعلا، يكفي من الجزاء لك على العمل إن كان له قابلا.
103- إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق و نسب إليك، لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك، و لا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك، فكن بأوصاف ربوبيته متعلقا و بأوصاف عبوديتك متحققا.

104- منعك ألا تدعي ما ليس لك من المخلوقين، أفيبيح لك أن تدعي وصفه و هو رب العالمين.
105- كيف تخرق لك العوائد و أنت لم تخرق من نفسك العوائد.
106- ما الشأن وجود الطلب، و إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب.
107- ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، و لا أسرع بالمواهب لديك مثل الذلة و الافتقار.
108- لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك و محو دعاويك لن تصل إليه أبدا، و لكن إذا أراد أن يوصلك إليه غطى وصفك بوصفه و نعتك بنعته، فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك له.

109- لولا جميل ستره لم يكن عمل أهلا للقبول، أنت إلى حلمه إذا أطعته أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته.
110- الستر على قسمين ستر عن المعصية و ستر فيها، فالعامة يطلبون من الله الستر فيها، خشية سقوط مرتبتهم عند الخلق، و الخاصة يطلبون الستر عنها خشية سقوطهم من نظر الملك الحق.


111- من أكرمك إنما أكرم فيك وجود ستره، فالحمد لمن سترك ليس الحمد لمن أكرمك و شكرك.
112- ما صحبك إلا من صحبك و هو بعيبك عليم، و ليس ذلك إلا مولاك الكريم.
113- خير من تصحب من يطلبك لا لشيء يعود منك إليه.
114- لو أشرق لك نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها، و لرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها.

115- ما حجبك عن الله وجود موجود معه، إذ لا شيء معه، و لكن حجبك عنه توهم موجود معه.
116- لولا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود الصفات، و لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته.
117- أظهر كل شيء لأنه الباطن، و طوى وجود كل شيء لأنه الظاهر.
118- أباح لك أن تنظر إلى المكونات، و ما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات، قل انظروا ماذا في السماوات و الأرض، و لم يقل انظروا السماوات و الأرض، لئلا يدلك على وجود الأجرام،
119- الأكوان ثابتة بإثباته و ممحوة بأحدية ذاته.

120- الناس يمدحونك بما يظنونه فيك، فكن أنت ذاما لنفسك لما تعلمه منها.
121- المؤمن إذا مدح استحيى من الله تعالى أن يثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه، و أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس.
122- إذا أطلق عليك الثناء و لست بأهل، فأثن عليه بما هو له أهل.
123- الزهاد إذا مدحوا انقبضوا لشهودهم الثناء من الخلق، و العارفون إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق.
124- متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء و إذا منعت قبضك المنع، فاستدل بذلك على ثبوت طفوليتك و عدم صدقك في عبوديتك.

125- إذا وقع منك ذنب فلا يكن موجبا ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك، فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك.
126- إذا أردت أن يفتح لك باب الرجاء فاشهد ما منه لك، و إذا أردت أن يفتح لك باب الخوف فاشهد ما منك إليه.
127- ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا.
128- مطالع الأنوار القلوب، و الأسرار نور مستودع في القلوب، مدده من النور الوارد من خزائن الغيوب.
129- نور يكشف لك به عن آثاره، و نور يكشف لك به عن أوصافه.
130- ربما وقفت القلوب مع الأنوار كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار.
131- ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر إجلالا لها أن تبتذل بوجود الإظهار و أن ينادى عليها بلسان الاشتهار.
132- سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، و لم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه.
133- ربما أطلعك على غيب ملكوته و حجب عنك الاستشراف على أسرار العباد.

134- من اطلع على أسرار العباد و لم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه، و سببا في جر الوبال عليه.
135- حظ النفس من المعصية ظاهر جلي، و حظها من الطاعة باطن خفي، و معالجة ما خفي صعب علاجه ،
136- ربما دخل الرياء عليك من حيث لا ينظر الناس إليك ،
137- استشرافك أن يعلم الناس بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك ،
138- غيب نظر الخلق إليك بنظر الحق إليك، و غب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله إليك.

139- من عرف الحق شهده في كل شيء، و من فنى به غاب عن كل شيء، و من أحبه لم يؤثر عليه شيء.
140- إنما حجب الحق عنك لشدة قربه منك، و إنما احتجب لشدة ظهوره، و خفي عن الأبصار لشدة نوره.
141- لا يكن طلبك سببا للعطاء منه، فيقل فهمك عنه، و ليكن طلبك لإظهار العبودية و قياما بحقوق الربوبية ،
142- كيف يكون طلبك اللاحق سببا لعطائه السابق، جل حكم الأزل أن ينظاف إلى العلل .
143- عنايته فيك لا لشيء يريده منك، و أين كنت حين واجهتك عنايته و قابلتك رعايته .

144- لم يكن في أزله إخلاص أعمال و لا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الأفضال و عظيم النوال.
145- علم أن العباد يتشوفون إلى ظهور سر العناية، فقال يختص برحمته من يشاء، و علم أنه لو خلاهم و ذلك لتركوا العمل اعتمادا على الأزل فقال إن رحمة الله قريب من المحسنين .
146- إلى المشيئة يستند كل شيء، لأن وقوع ما لم يشأ الحق محال، و لا تستند هي إلى شيء، ربما دلهم الأدب على ترك الطلب، اعتمادا على قسمته، و اشتغالا بذكره عن مسألته، إنما يذكر من يجوز عليه الإغفال، و إنما ينبه من يمكن منه الإهمال.

147- ورود الفاقات أعياد المريدين .
148- العيد الوقت الذي يعود على الناس بالمسرة و السرور .
149- ربما وجدت في المزيد من الفاقات ما لم تجده في الصوم و الصلاة .
150- الفاقات بسط المواهب ، فإن أردت ورود المواهب عليك صحح الفقر و الفاقة لديك. إنما الصدقات للفقراء .
151- تحقق بأوصافك يمدك بوصفه، و تحقق بذلك يمدك بعزه، و تحقق بعجزك يمدك بقدرته، و تحقق بضعفك يمدك بحوله و قوته.

152- ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة،
153- من علامات إقامة الحق لك في الشيء إدامته إياك فيه مع حصول النتائج.
154- من عبر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة، و من عبر من بساط إحسان الله لم يصمت إذا أساء.
155- تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيث صار التنوير وصل التعبير.
156- كل كلام يبرز و عليه كسوة القلب الذي برز منه .

157- من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته و جليت إليهم إشارته.
158- ربما برزت الحقائق مكشوفة الأنوار إذا لم يؤذن لها في الإظهار.
159- عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد، فالأول حال السالكين، و الثاني حال أرباب المكنة و المحققين.
160- العبارة قوت لعائلة المستمعين و ليس لك إلا ما أنت له آكل.


161- ربما عبر عن المقام من أستشرف عليه، و ربما عبر عن المقام من وصل إليه، و ذلك يلتبس إلا على صاحب بصيرة.

162- لا ينبغي للسالك أن يعبر عن وارداته، فإن ذلك يقل عملها في قلبه و يمنعه وجود الصدق مع ربه.
163- لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، فإن كنت كذلك فخذ ما يوافق العلم.
164- ربما استحيى العارف أن يرفع حاجته إلى مولاه اكتفاء بمشيئته فكيف لا يستحيي أن يرفعها إلى خليقته.
165- إذا التبس عليك أمران فانظر أيهما أثقل على النفس فاتبعه، فإنه لا يثقل عليها إلا ما كان حقا.
166- من علامة اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات و التكاسل على القيام بالواجبات.
167- قيد الطاعات بأعيان الأوقات كي لا يمنعك عنها وجود التسويف، و وسع عليك الأوقات كي لا تبقى لك حصة الاختيار.

168- علم قلة نهوض العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجوب طاعته، فساقهم إليها بسلاسل الإيجاب.
169- عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل.
170- أوجب عليك وجود خدمته، و ما أوجب عليك إلا دخول جنته .
171- من استغرب أن ينقذه الله من شهوته أو يخرجه من وجود غفلته فقد استعجز القدرة الإلهية، و كان الله على كل شيء مقتدرا.
172- ربما وردت الظلمة عليك ليعرفك قدر ما به عليك.
173- من لم يعرف قدر النعم بوجدانها عرفها بفقدانها.
174- لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك.
175- تمكن الهوى من القلب هو الداء العضال.
176- لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق.
177- كما لا يحب العمل المشترك لا يحب القلب المشترك، و القلب المشترك لا يقبل عليه
178- أنوار أذن لها في الوصول و أنوار أذن لها في الدخول.

179- ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشوا بصور الآثار فارتحلت من حيث نزلت.
180- فرغ القلب من الأغيار تملأه بالمعارف و الأسرار.
181- لا تستبطئ من النوال و لكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال.
182- حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها و حقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها، إذ ما من وقت يرد إلا و لله عليك فيه حق جديد و أمر أكيد، فكيف تقضي فيه حق غيره و أنت لم تقض حق الله فيه.
183- ما فاتك من عمرك لا عوض له، و ما حصل لك منه لا قيمة له.

184- ما أحببت شيئا إلا كنت له عبدا و هو لا يحب أن تكون عبدا لغيره.
185- لا تنفعه طاعتك، و لا تضره معصيتك، فإنما أمرك بهذه و نهاك عن هذه لما يعود عليك.
186- لا يزيد في عزه إقبال من أقبل، و لا ينقص من عزه إدبار من أدبر.
187- وصولك إلى الله، وصولك إلى العلم به، و إلا فجل ربنا أن يتصل به بشيء أو يتصل هو بشيء.
188- قربك منه، أن تكون مشاهدا لقربه، و إلا فمن أين و وجود قربه.
189- الحقائق ترد في حال التجلي مجملة و بعد الوعي يكون البيان، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه.
190- متى وردت الواردات إليك، هدمت العوائد عليك، إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها.
191- الوارد يأتي من حضرة قهار، لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.

192- كيف يحتجب الحق بشيء، و الذي يحتجب به هو فيه ظاهر و موجود حاضر.
193- لا تيأس من قبول عمل لم تجد فيه وجود الحضور، فربما قبل من العمل ما لم تدرك ثمرته.
194- لا تزكين واردا لا تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، و إنما المراد منها وجود الأثمار.
195- لا تطلب بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها و أودعت أسرارها، فلك في الله غنى عن كل شيء، و ليس يغنيك عنه شيء.

196- تطلعك إلى غيره دليل على عدم وجدانك له و استيحاشك لما سواه دليل إلى عدم وصلتك به.
197- النعيم و إن تنوعت مظاهره إنما هو بشهوده، و العذاب و إن تنوعت مظاهره إنما هو لوجود حجابه، فسبب العذاب وجود الحجاب، و إتمام النعيم بالنظر إلى وجه الله الكريم.
198- ما تجده القلوب من الهموم و الأحزان فلأجل ما منعت به من وجود العيان.
199- من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك و يمنعك ما يطغيك.
200- ليقل ما تفرح به يقل ما تحزن عليه، و إن أردت ألا تعزل فلا تتول ولاية لا تدوم لك.
201- إن رغبتك البدايات زهدتك النهايات، و إن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن، إنما جعلها محلا للأغيار و معدنا لوجود الأكدار تزهيدا لك فيها.

202- علم أنك لا تقبل النصح المجرد فذوقك من ذواقها ما يسهل عليك وجود فراقها.
203- العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه و ينكشف عن القلب قناعه.
204- خير علم ما كانت الخشية معه، فالعلم إن قارنته الخشية فلك و إلا فعليك.
205- متى آلمك عدم إقبال الناس عليك أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان يقنعك علم فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك من الأذى منهم، إنما أجرى الأذى على أيديهم كي لا تكون ساكنا إليهم، أن أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء.
206- إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده، جعله لك عدوا ليحوشك به إليه، و حرك عليك النفس لتديم إقبالك عليه.

207- من أثبت لنفسه تواضعا فهو المتكبر حقا، إذ ليس التواضع إلا عن رفعة، فمتى أثبتت لنفسك تواضعا فأنت المتكبر، إذ ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع و لكن المتواضع هو الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع.
208- التواضع الحقيقي هو الناشئ عن شهود عظمته ، و تجلي صفته.
209- لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف، المؤمن يشغله الشاغل لله عن أن يكون لنفسه شاكرا، و تشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكرا.
210- ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوضا، أو يطلب منه غرضا، فإن المحب من يبذل لك، ليس المحب من تبذل له.

211- لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين.
212- لا مسافة بينك و بينه حتى تطويها رحلتك، و لا قطيعة بينك و بينه حتى تمحوها وصلتك.
213- جعلك في العالم المتوسط بين ملكه و ملكوته ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته، و أنك جوهرة تنكوي عليك أصداف مكوناته، من حيث جثمانيتك، و لم يسعك من حيث ثبوت روحاني
214- الكائن في الكون، و لم يفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحيطاته، و محصور في هيكل ذاته.
215- أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك.
216- لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار، ظهرت في الأفق و ليست منه،
217- تارة تشرق شموس أوصافه على ليل وجودك، و تارة يقبض ذلك عنك فيردك إلى حدودك، فالنهار ليس منك إليه، و لكنه وارد عليك.

218- دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، و بوجود أسمائه على ثبوت أوصافه، و بوجود أوصافه على وجود ذاته، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه، فأرباب الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته ثم يردهم إلى شهود صفاته، ثم يرجعهم إلى التعلق بأسمائه ثم يردهم إلى شهود آثاره، و السالكون على عكس هذا، فنهاية السالكين بداية المجذوبين، و بداية المجذوبين نهاية السالكين، فإن مراد السالكين شهود الأشياء لله، و مراد المجذوبين شهادة الأشياء بالله، و السالكون عاملون على تحقيق الفناء و المحو، و المجذوبون مسلوك بهم طريق البقاء و الصحو، لكن لا بمعنى واحد، فربما التقيا في الطريق هذا في ترقية و هذا في تدلية.

219- لا يعلم قدر أنوار القلوب و الأسرار إلا في غيب الملكوت، كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك.
220- وجد أن ثمرات الطاعات عاجلا بشائر العاملين بوجود الجزاء عليه آجلا.
221- كيف تطلب العوض عن عمل هو متصدق به عليك، أم كيف تطلب الجزاء عن صدق هو مهديه إليك.
222- قوم تسبق أنوارهم أذكارهم، و قوم تسبق أذكارهم أنوارهم، و قوم تتساوى أذكارهم و أنوارهم، و قوم لآ أذكار و لا أنوار نعوذ بالله من ذلك.
223- ذاكر ذكر ليستنير قلبه، فكان ذاكرا، و ذاكر استنار قلبه فكان ذاكرا، و الذي استوت أنواره و أذكاره فبذكره يهتدى و بنوره يقتدى.
224- ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود و فكر، أشهدك من قبل أن استشهدك فنطقت بألوهيته الظواهر و تحققت بأحديته القلوب و السرائر.

225- أكرمك ثلاث كرامات، جعلك ذاكرا له، و لولا فضله لم تكن أهلا لجريان ذكره عليك، و جعلك مذكورا به إذ حقق نسبته لديك، و جعلك مذكورا عنده ليتم نعمته عليك.
226- رب عمر اتسعت آماده و قلت أمداده، و رب عمر قليلة آماده كثيرة إمداده، فمن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة و لا تلحقه الإشارة.
227- الخذلان كل الخذلان، أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه، و تقل عوائقك ثم لا ترحل إليه.
228- الفكرة سير القلوب في ميادين الأغيار، و الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له.
229- الفكرة فكرتان، فكرة تصديق و إيمان و فكرة شهود و عيان،
فالأولى لأرباب الاعتبار و الثانية لأرباب الشهود و الاستبصار।

منقول فجزى الله الإمام ابن عطاء الله من كتبه ومن نشره ومن قرأه لينتفع به خير الجزاء